تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Kepu ، وكان هذا المندوب يرسل تقارير عن حالة هذه الملكة إلى الحاكم الآشوري العام الذي أقامه الآشوريون في سوريا، ويذكر النص الآشوري الذي تحدث عن هذه الحملة: أن الملكة شمسة قد أصيبت بخسائر فادحة جدا، وهي مائة ألف رجل، وثلاثون ألف جمل، وعشرون ألفا من الماشية، وقد صور على اللوحة التي ذكر فيها هذا الخبر منظر فارسين آشوريين يحملان رمحين يتعقبان بدويا راكبا جملا، وتحت أقدام الفارسين وأمامهما جثث القتلى من العرب قد صوروا بشعورهم الطويلة المعقوصة إلى الخلف، ولحاهم الكثة، وأجسامهم العارية إلا من مئزر يستر عورتهم، وقد حرص الفنان الآشوري على تصوير العربي الراكب قريبا من الفارسين، وهو يمد يده اليمنى إليهما متوسلا، وصورت الملكة شمسة حافية ناشرة شعرها، تحمل جرة، وقد أضناها الجوع، وخارت قواها.

16

والخلاصة أن تاريخ هذه الأسرة ما يزال غامضا، فلعل الحفريات القادمة تكشف شيئا حقيقيا عن تاريخها. (4) مملكة تيماء

إن تيماء هي على الطريق التجاري الذي كان يقع بين مدن العرب التجارية في الجنوب والمدن التجارية في الشمال، وقد ذكر في التوراة «تيماء» على أنه اسم أحد أبناء إسماعيل الاثني عشر،

17

وبه سميت المدينة التي سكنها هو وأبناؤه من بعده، وعرف أهل هذه المدينة بالتجارة منذ القديم، وكانت لأهلها علاقات تجارية قوية مع أهل سبأ كما يفهم من أقوال التوراة: «نظرت قوافل تيماء سيارة سبأ رجوها، خزوا فما كانوا مطمئنين، جاءوا إليها فخجلوا، فالآن قد صرتم مثلها رأيتم خربة ففزعتم.»

18

وكان إلى جانب تيماء هذه مدينة أخرى تذكر كثيرا معها في التوراة، وهي مدينة «ددان»، وهي المعروفة اليوم بالعلا،

19

وأنها كانت تتاجر مع مدينة صور عاصمة الفينيقيين بالعاج والآبنوس وطنافس الركوب.

20

أما المصادر العربية فتذكر تيماء على أنها بليدة معروفة في الجاهلية وصدر الإسلام، يقول ياقوت: تيماء بليدة في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق، والأبلق الفرد حصن السموأل بن عادياء اليهودي مشرف عليها، فلذلك كان يقال لها تيماء اليهودي ... ولما بلغ أهل تيماء في سنة 9 للهجرة وطء النبي وادي القرى، أرسلوا إليه وصالحوه على الجزية، وأقاموا ببلادهم وأرضهم، فلما أجلى عمر اليهود عن جزيرة العرب أجلاهم معهم، وقال الأعشى:

ولا عاديا لم يمنع الموت ماله

وورد بتيماء اليهود أبلق

وقال بعض العرب:

إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني

بتيماء تيماء اليهود غريب

21

فهذا يذلك على أنها في الجاهلية كانت بلدا يهوديا سكنه اليهود أو متهودة العرب.

وأما المصادر التاريخية القديمة فتحدثنا أن الملك «بنويند» ملك بابل (555-538ق.م.) قد قدم ديار العرب، واتخذ تيماء مقرا له في سنة 551ق.م.

22

بعد أن قتل ملكها، وفتك بأهلها، وجعل لنفسه قصرا فيها، كالقصر الذي بناه ببابل،

23

وقد أقام بنويند في قصره هذا مدة من الزمن، ثم اضطره الملك قورش أن يترك ديار العرب حوالي سنة 539ق.م، فلا شك في أن هذه الإقامة التي أقامها بنويند في تيماء قد قوت الصلات بين البابليين وأهل تيماء، كما أنها نقلت إليهم كثيرا من الثقافة والديانة والحضارة البابلية، ولا ريب في أن الدافع الذي دفع الملك بنويند إلى احتلال هذه المدينة وما إليها، واتخاذه إياها عاصمة لملكه بدل عاصمته في وادي الرافدين - بابل - هو ما كانت تتمتع به من مكانة تجارية هامة في الشرق كله، فضلا عن مكانتها السياسية وموقعها الحربي المهم من مدن الشرق والغرب. (5) دول الحجاز وتهامة ونجد

أقدم ما عثرنا عليه في المصادر الموثوقة عن تاريخ تحضر الحجاز هو ما تذكره المصادر العربية القديمة من أن قلب الجزيرة العربية كانت تسكنه بعض القبائل من العرب العرباء المعروفين ببني جرهم، وأن إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر قد هاجرا من فلسطين في القرن التاسع عشر ق.م. إلى الحجاز، وتختلف المصادر العربية والتوراة في المكان الذي قصداه بعد أن هاجرا من فلسطين؛ فالتوراة تقول إنهما خرجا حتى بئر السبع، وإنه قد نفد ما عندهما من الماء، وكادا أن يموتا عطشا، فهدى ملك الله هاجر إلى بئر فملأت القربة، وسقت ابنها، وإن إسماعيل شب في برية فاران،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٢١