تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وأقيم إلى جانب القصر مدرج صخري كان يتخذ مسرحا للألعاب العامة، يذكرنا بمسارح روما وأثينا. ومن آثارها أيضا «قصر الدير» وهو كهف ضخم بارع الهندسة، كثير النقوش، غني الزخارف.

وقد ظلت عاصمتهم «سلع» مركزا تجاريا عظيما بين الشرق والغرب والشمال والجنوب منذ عهد ملكهم الحارث الأول الذي حكم من سنة 169ق.م. إلى عهد آخر ملوكهم مالك الثالث، الذي حكم إلى سنة 106م،

5

وفي تلك السنة جرد الإمبراطور تراجان إمبراطور الرومان حملة على الدولة النبطية؛ فخضعت لنفوذه من ذلك الحين.

وقد وصف المؤرخ ديودوروس الصقلي في القرن الأول قبل الميلاد هؤلاء القوم، وما كانوا عليه من حضارة، وما شاهده بنفسه في ديارهم فقال: «إن الأنباط يعيشون في البادية الجرداء التي لا أنهار فيها ولا سيول ولا ينابيع، ومن أمهات قوانينهم: منع زراعة الحبوب أو استثمار الأشجار، وتحريم الخمر، وبناء المنازل، ويعاقبون من يخالف ذلك بالقتل مع التشديد في العمل بهذه القوانين، ويقتات بعضهم بلحوم الإبل وألبانها، وبعضهم بالماشية أو الغنم، وإنهم يشربون الماء المحلى بالمن، ومنهم قبائل عديدة تقيم في البادية، ولكن النبطيين أغنى تلك القبائل، وإن كان رجالهم لا يزيد عددهم على عشرة آلاف، وثروتهم من الاتجار بالأطياب والمر وغيرهما من العطريات يحملونها من اليمن وغيرها إلى مصر وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، ولم تكن تمر تجارة في أيامهم بين الشرق والغرب إلا على يدهم، ويحملون إلى مصر - على الخصوص - القار لأجل التحنيط، وهم ضنينون بحريتهم؛ فإذا دهمهم عدو يخافون بطشه فروا إلى الصحراء، وهي أمنع حصن؛ لأنها خالية من الماء، فلا يدخلها سواهم إلا مات عطشا، أما هم فيشربون من صهاريج سرية مربعة الشكل منقورة في الصخر تحت الأرض يخزنون الماء فيها ...»

6

وكان للقوم عناية شديدة بالآداب من شعر ونثر وحكمة، وكانوا يعظمون الشعراء وأهل المعرفة، ولكن آثارهم قد ضاعت، وإن كانت النقوش الحجرية التي أبقوها تدل على شيء من ذلك.

أما لغتهم فهي اللغة العربية، ولا تكاد تختلف عنها، وبخاصة عن لغة الشعر الجاهلي إلا قليلا، على ما تقتضيه سنن النشوء والارتقاء، إلا أنهم لم يكونوا يكتبون بالحروف العربية، وإنما كانوا يكتبون بحروف أبناء عمومتهم الآراميين؛ لأن حروف هؤلاء كانت أشهر.

7

وقد خلفوا مدنا خالدة أجلها سلع، وتسمى بطرا والبتراء، وهي عاصمتهم، وموقعها بين بحيرة لوط والبحر الأحمر، وفيها آثار عريقة تبين عن مقدار المدنية النبطية، وبخاصة مدافنها ومعابدها ومعاهدها.

ومن مدنهم الغنية التي بقيت عامرة إلى العصور المتأخرة؛ مدينتا بصرى الشام، وصلخد، وكانت هذه المدن حصونا وملاجئ ومخازن لتجاراتهم الكبيرة. (2) الدولة الثمودية

قامت الدولة الثمودية في فجر الألف الأول قبل الميلاد من شمالي الحجاز إلى جنوبي ديار الأنباط، وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من تاريخهم وأحوالهم، فقال تعالى:

وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين * قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون * فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ... إلخ تلك الآيات

8

التي تدل على أن القوم كانوا أشداء ذوي حضارة وبناء ونعم وآلاء، وقد ظل تاريخ الثموديين مجهولا حتى قامت حركة الاكتشافات والتنقيبات الأثرية في القرن التاسع عشر، فأثبتت أن سلطانهم كان ممتدا من جنوبي الشام إلى ساحل البحر الأحمر، وأنهم كانوا ذوي حضارة وعلم ورقي، واهتمام كبير بشئون التجارة ونقلها من ممالك جنوب العالم المتمدن القديم إلى ممالك الشمال الممقدنة، وقد عثر على كتابات ثمودية يرجع تاريخها إلى القرن السابع ق.م. في اليمن والحجاز ونجد.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ١٨