تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن لهذه الدولة الفتية آثارا جليلة في العمران والحضارة، وبخاصة في البناء والزخرفة، فقد اكتشف النقابون في أطلال تدمر الفخمة الضخمة العظيمة تماثيل ونقوشا رائعة، كما وجدوا فيها كثيرا من الهياكل والتماثيل، وأجمل هذه الهياكل هيكل الشمس العظيم في بنائه وهندسته وزخرفته ونقوشه.

وقد خلفت هذه الدولة كثيرا من النقوش والكتابات المسطورة باللغة التدمرية، وهي من بنات اللغة الآرامية الغنية في نحوها وصرفها وقواعدها، وتضمنت هذه النقوش بعض القوانين الشرعية والأنظمة التجارية؛ لأن عاصمتها كانت مركزا من أهم مراكز التجارة في الشرق، كما كانت سوقا من أعظم أسواق الاقتصاد في تلك البقعة، وكان تجارها يحملون من جزيرة العرب والحبشة ومصر ما تخرجه أرضوها من الذهب والطيوب والأنسجة الفاخرة، ويستجلبون من العراق والمشرق لآلئ البحرين وتحف الهند، وأنواع العطور والبخور والتوابل والفولاذ والعاج وغيرها، وكانوا ينقلونها إلى الشام ومصر وأوروبا.

| حضارات الوسط

(1) الدولة النبطية

قامت هذه الدولة في جنوبي الشام وشمالي شبه جزيرة سيناء، وكان اليونان يسمونها الدولة العربية الحجرية

Arabia Petro ، وأول من سكن تلك الديار من العرب هم «الحوريون» الذين كانوا يسكنون الكهوف، وهم الذين يسميهم اليونان «تروغلوديت

Troglodytes »، وكانوا على جانب عظيم من القوة؛ ينحتون من الجبال بيوتا، ويتخذون الكهوف مساكن وهياكل، وليست لدينا معلومات مفصلة عن تاريخهم وأحوالهم السياسية والعلمية.

1

وقد انقرضوا وضاعت أخبارهم، وخلفهم في تلك الديار «الأدوميون»؛ وهم من أبناء أدوم، وهو عيصو بن إسحاق - عليه السلام - بعد أن غلبوهم، ولا نعرف بالضبط الزمان الذي استولوا فيه على ديارهم، إلا أن في التوراة إشارات إلى ذلك؛ ففي سفر التكوين

2

آيات تدل على أن هؤلاء الأدوميين قد حاربوا الإسرائيليين في عهد الملك شاوول (طالوت)، وكان ذلك في القرن العاشر ق.م، ولكن طالوت لم يستطع التغلب، فلما تولى أمر بني إسرائيل «داود» - عليه السلام - حمل عليهم، وأغار على بلادهم وأخضعهم، ورجع إلى فلسطين بعد أن أقام في بلادهم حامية، ولكن زعيم الأدوميين جمع قواه، وأراد التخلص منهم، وإقصاء النفوذ اليهودي فلم يفلح. قال جرجي زيدان: «وهم قائد من الأدوميين في عهد سليمان بخلع الطاعة فلم يفلح، فما زالوا تحت سيطرة الإسرائيليين إلى أيام «يهو شافاط» فحالفوا أعداءه، وأعانوهم على حربه، فلم يفوزوا، ولكنهم اغتنموا ضعف الإسرائيليين، وعادوا إلى الاستقلال ... حتى إذا حمل نبوخذ نصر على أورشليم كان الأدوميون عونا له على أهلها، واشتركوا في نهبها وذبح أهلها؛ فكافأهم نبوخذ نصر على نصرته بتأييد سلطتهم في أدوم وتوسيعها إلى حدود مصر وشواطئ البحر المتوسط ...»

3

فقوي منذ ذلك الحين نفوذهم، وأخذوا يتوسعون حتى بلغوا حوران ودمشق وحدود العراق ومصر، ولكنهم فوجئوا بزحف إخوانهم الأنباط على ديارهم، فتفاهموا وإياهم، واندمجوا في صفوفهم، وكان ذلك في القرن الرابع قبل الميلاد.

وبهذا الاندماج تم تأليف الدولة النبطية القوية التي ظلت إلى أوائل القرن الثاني للميلاد، حين استولى الرومان عليها في سنة 106م، فأصبحت خاضعة لنفوذهم.

وقد خلفت دولة الأنباط هذه حضارة عريقة وعمرانا، وكانت عاصمتهم مدينة سلع (بطرا - البتراء) في وادي موسى عند ملتقى الطرق التجارية بين تدمر وغزة وأورشليم، واليمن والخليج العربي.

وما تزال أطلال هذه المدينة الجبارة، وبخاصة في «الحجر»، شاهدا على ما بلغه أهلها من الرقي العمراني والهندسي والفني، وأجل هذه الأطلال القصر المعروف اليوم ب «خزينة فرعون»؛ وهو بناء شامخ منقور في الصخور ذات اللون الوردي البديع، وقد نقشت واجهة هذا القصر نقشا بديعا، وزينت بالكتابات النبطية الجميلة،

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ١٧