وفي سنة 30ق.م. استولى الرومان على مصر، وألحقوها بإمبراطوريتهم في روما، ودام سلطانهم على مصر إلى سنة 380م. وفي عهد الأسرة الرومانية - وهي الأسرة الرابعة والثلاثون - دخلت المسيحية إلى مصر، وكان ذلك في سنة 381م، وظل ذلك إلى الفتح الإسلامي. (8) الدولة التدمرية
تنسب الدولة التدمرية إلى مدينة تدمر (بالميرا) الواقعة في أطراف البادية التي تفصل الشام عن العراق، على بعد مائة وخمسين ميلا عن دمشق نحو الشمال الشرقي، وهي من المدن القديمة، ذكرتها التوراة باسم «تدمر» أو «تدمورا»،
20
وقد اشتهر أمرها في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، حين كانت القوافل التجارية تجتاز بها حين تخرج من الحبشة واليمن إلى العراق، فتمر بها، ثم تقصد العراق ففارس، وكانت مدينة الحجر (بطرا) تنافسها، ولم يلمع نجمها إلا بعد أفول نجم الحجر في أوائل القرن الثاني للميلاد، فتحولت التجارة العربية إليها وحدها، وأخذت شهرتها تطبق الآفاق في المشرق كله منذ ذلك الحين، وتسامع الرومان بها، فطمعوا في السيطرة عليها، وإدخالها تحت حوزتهم، وتم ذلك للإمبراطور أدريان من سنة 130 للميلاد، وذهب إليها، وبدل اسمها، فسماها باسمه «أدريا بوليس»، وقد عثر في التنقيبات التي أجريت فيها على نقوش مؤرخة بسنة 137 للميلاد، ذكر فيها تفصيل الضرائب والمكوس التي وضعتها الحكومة الرومانية المحتلة على التجار وأرباب الصنائع فيها.
وكان في تدمر حكومة منظمة لها مجلس شيوخ، ورئيس، و... ولما نشبت الحروب العظمى بين الفرس والرومان عظم أمر تدمر، وأصبحت مدينة كبرى ذات ثروة ضخمة، حتى صارت سيدة مدن المشرق الرومانية، وتولى زعامتها بنو نصر الذين أسسوا فيها أول دولة عربية قوية عرفت بالدولة التدمرية، وكان أول ملوك هذه الدولة الملك أذينة بن حيران بن وهب اللات بن نصر، ولكن هذه الدولة لم تستطع أن تتخلص من النفوذ الروماني، ولما أراد أذينة إقصاء الرومان عن بلاده عملوا على قتله، وتم لهم ذلك في أواسط القرن الثالث للميلاد.
وخلفه من بعده ابناه أذينة الثاني وحيران، وكان أذينة الثاني شديد التحمس لقومه ينتقص الرومان، ويعمل على الانتقام من قتلة أبيه، فجمع نخبة كبيرة من شبان العرب ورجالات القبائل العربية المجاورة لتدمر، وجعل منهم فرقا محاربة قوية، واتخذ فرصة خروج فاليريان الروماني لمحاربة سابور الفارسي، فهيأ نفسه للانقضاض على الرومان، على الرغم من أن فاليريان أنعم عليه بلقب قنصل؛ وهو من أكبر ألقاب الدولة الرومانية، فتغلب عليه، وما زال أمره يعظم حتى صار سيد الشرق، وامتدت سلطته إلى سوريا كلها وجميع مدن آسيا، وفي سنة 264م منحته روما لقب حاكم عام على المشرق، من حدود أرمينية إلى جزيرة العرب، كما منحت امرأته السيدة الجليلة الزباء «زينوبيا» لقب «سبتيما»؛ وهو من أجل ألقاب التشريف والسلطان لدى الرومان.
في سنة 267 مات الملك أذينة، فخلفه ابنه وهب اللات الذي يسميه الرومان «أثينو دوروس»، وكانت أمه السيدة الجليلة الزباء هي التي تدير أمره، وتدير شئون الدولة، وتداري إمبراطور روما، ولكنها لما علمت هي وابنها أن روما تمر بفترة اضطراب داخلية في سنة 271م، خلعت الطاعة، وثارت على أورليان إمبراطور الرومان، وأزالت اسمه من نقودها، ونصبت نفسها قائدة عليا على الجيش العربي في المشرق، ولقبت ابنها بلقب ملك الملوك ومحيي الدولة، وسمته باسم «أغسطس»، وسارت على رأس جيش كبير فاستولت على العراق والشام ومصر وآسيا الصغرى حتى بلغت أنقرة، فلما سمعت تجمع الرومان عليها، اضطرت إلى الرجوع للشام، ولحق بها الرومان، والتقى الجيشان عند أنطاكية، فتغلب الرومان عليها، ثم جددت عزمها فلقيتهم ثانية عند حمص، ولكنها لم تستطع قهرهم، فكتبت إلى أورليان تعلمه أنها لم تخسر أحدا من رجالاتها؛ لأن الذين قتلوا من جندها كانوا من الرومان الذين انضووا تحت لوائها، فأثار هذا القول غيظ أورليان، وبعث إليها جيشا قويا وحاصرها في تدمر، فاضطرت أن تنجو بنفسها، وهربت إلى فارس، فلحق بها الرومان، وأمسكوا بها، وأخذوها أسيرة، واضطر التدمريون إلى الاستسلام في سنة 272م، وقبض أورليان على خزائن تدمر، وأذن للزباء أن تعيش أسيرة في كنفه، وهكذا قضي على الدولة التدمرية وهي في إبان فتائها. •••