ثم جاءت الأسرة الحادية والعشرون، وحكمت من سنة 1110ق.م. إلى سنة 980ق.م، وأولها الكاهن صرصور الذي اختلس الملك من الأسرة العشرين بأسلوب دنيء منقوش على هيكل «خوفو» بطيبة، وتولى بعده أبيه الكاهن «يعن خي»، فتزوج بابنة ملك سوريا، ووطد العلائق بين الأسرتين، وفي عهد هذه الأسرة قصد غرود ملك آشور في وادي الرافدين أرض مصر مدافعا عن أسرة رعمسيس، فطرد أسرة الكهنة، واستولى على مصر، وتلقب بملك آشور ومصر، واتخذ مدينة «تنيس» عاصمة له، وتأسست به الأسرة الثانية والعشرون، وأول ملوكها ابنه «ششنق بن نمرود» أو «شيشق» كما في التوراة، وقد ولد في مصر، وتربى على التقاليد المصرية، وأسس لنفسه عاصمة في «تل بسطة» بالشرقية قرب مدينة الزقازيق الحالية، ودامت هذه الأسرة من سنة 980ق.م. إلى سنة 810ق.م، وقد خلفت آثارا جليلة في البناء والفتوح.
وفي سنة 810ق.م. تغلب الأمير «بتوباستيس» على الحكم، وأسس الأسرة الثالثة والعشرين، وفي أيامه انقسمت ديار مصر إلى عشرين إقليما، فتوزع السلطان، وضعفت البلاد ، ودام ذلك إلى سنة 721ق.م. حين قام الأمير «تفن خت» أحد أمراء الأقاليم، فاستولى على مصر كلها بحريها وشرقيها، وخلفه ابنه «باكوريس»، وكان ملكا حازما عالما فاضلا، أراد النهوض بالبلاد، ولكن الأحباش تغلبوا عليه في سنة 715، وأسسوا الأسرة الخامسة والعشرين، وكان أولهم الملك «سباقون»، فاستولى على البلاد كلها، ونظم أمورها، وأبقى حكام البلاد الأصليين بإضافة مشاورين أحباش، وكادت البلاد أن تستقر لولا قيام شلم نصر ملك آشور بالهجوم على الفينيقيين والفلسطينيين، فاستنجد هؤلاء بالمصريين، فقدم إليهم سباقون وجنوده، ولكنهم انهزموا أمام الآشوريين، ورجع إلى مصر، وتعاقب الملك في أبنائه إلى سنة 665ق.م.
وفي سنة 665ق.م. حكمت مصر أسرة قوية عرفت بالأسرة الصاوية، وأولها الملك «بساماتيك الأول»، وقد تولى على الأمر والبلاد تئن من العنف والفوضى؛ لما قاسته من الحروب الطويلة مع الآشوريين والأحباش، فعمل على إحياء معالمها، وجدد معابدها ومعاهدها، وحصن قلاعها، وظفر على أعدائها، وحبب إليه الناس في الداخل والخارج؛ فقصدها العلماء والفنانون من البلدان المجاورة، وبخاصة اليونان الذين أعجبتهم مصر، وطاب لهم المقام فيها، فتعلموا لغتها وعلومها، واعتنقوا ديانتها، واصطنعوا لهم آلهة على نمط الآلهة الفرعونية، ونبغ منهم علماء فلاسفة عظام كان لهم أثر خالد في الحضارة الإنسانية وتاريخ العقل البشري؛ مثل: أفلوطن، وفيثاغورس، وصولون، وغيرهم، وكان بساماتيك يحبهم ويقربهم، وخلفه ابنه «نخاو» فوسع رقعة البلاد، وتعاقب الأملاك من بعده إلى سنة 527ق.م.
ثم استولى على الحكم قمبيز الفارسي، فأسس الأسرة السابعة والعشرين في سنة 527 حين سيطر على مصر، ودام حكم هذه الأسرة إلى سنة 406ق.م. حين استرد المصريون بلادهم وطردوا الفرس، وقامت الأسرة الثانية والعشرون والتاسعة والعشرون والثلاثون من سنة 406ق.م. إلى سنة 340ق.م، حين استولى على مصر «أوخوس» الفارسي فأعاد النفوذ الفارسي على البلاد، إلى أن كانت سنة 332ق.م. فاستولى اليونان على مصر وطردوا الفرس، وكان ذلك على يد الإسكندر المقدوني العظيم.
ولما تغلب الإسكندر الأكبر على الفرس، وأخرجهم من مصر، واستولى عليها؛ شيد مدينة الإسكندرية، وأسس الأسرة الثانية والثلاثين، وقام بأعمال عمرانية وثقافية إصلاحية في البلاد إلى أن هلك سنة 323ق.م.
فلما مات الإسكندر تولى بطليموس الأول على مصر، وأسس أسرة البطالسة، وهي الأسرة الثالثة والثلاثون، وقد دام سلطانها في مصر من سنة 323ق.م. إلى سنة 30ق.م، وقد كان عهد البطالسة عهدا ميمونا مباركا عمرانيا، ازدهرت فيه البلاد، واختلطت الثقافة المصرية بالثقافة اليونانية، فأنتجت أطيب النتائج. ومن مآثر هذه الأسرة: مدرسة الإسكندرية العظيمة، وخزانتها الكتبية الخالدة، وعدد لا يحصى من المعابد والهياكل الرائعة.