16
فلم يكن العمالقة الهكسوس إذن طغاة ولا جفاة ولا غاصبين، ولكنهم كانوا ملوكا حلفاء أوفياء للفراعين، ولكنهم حين أرادوا السيطرة على ديارهم فتحوا أرض مصر كما فتحها عمرو بن العاص من بعدهم.
يقول المؤرخ يوسيفوس اليهودي المتوفى في أواخر القرن الأول للميلاد، نقلا عن المؤرخ الإسكندري المتوفى في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد، أثناء كلامه عن نشوء دولة الهكسوس، ما ترجمته: واتفق على عهد تيماوس أحد ملوكنا أن الإله غضب علينا، فأذن لقوم لا يعرف أصلهم جاءوا من الشرق، وتجاسروا على محاربتنا، وغلبونا على بلادنا، وأذلوا ملكونا، وأحرقوا مدننا، وهدموا هياكلنا وآلهتنا، وساموا الناس ذلا وخسفا، فقتلوا الرجال، وسبوا النساء والأولاد، ثم نصبوا عليهم ملكا اسمه سلاطيس أقام في منفيس، وضرب الجزية على مصر أعلاها وأسفلها، وأقام الحامية في المعاقل لدفع الآشوريين عن وادي النيل إذا طمعوا فيه، وبنى مدينة «أوراس» في ولاية «صان» لهذه الغاية، وحصنها بالأبراج والقلاع والأسوار، وأكثر من حاميتها حتى بلغ عددهم «240000»، وكان سلاطيس يأتي إليها في الصيف؛ لجمع الحنطة، ودفع رواتب الجند، وتمريسهم بالحرب، وبعد ثلاث عشرة سنة من حكمه خلفه ملك اسمه بيون، وحكم أربعا وأربعين سنة، وجاء بعده «أبا خناس» وحكم ستا وثلاثين سنة، ثم «أيوفيس» وحكم إحدى وستين سنة وشهرين، وهؤلاء الستة هم أول من حكم من ملوكهم، ولم يكفوا عن محاربة المصريين؛ لأنهم كانوا يلتمسون إبادتهم. وكانت هذه الأمة تسمى هكسوس
Hyksos ؛ أي الملوك الرعاة لأنها مؤلفة من: هيك
Hyk
ومعناه باللغة المقدسة المصرية «الهيروغليفية»: «ملك»، و
Sos
ومعناه: «راع»، ولكن البعض يقول إنهم عرب.
17
ولقد تعمق في دراسة تاريخهم المستشرق البروفسور بروغش
Brugcsh
بك في كتابه القيم عن الفراعنة،
18
وخلاصة رأيه فيهم أن الأقوام الذين يسميهم الفراعنة في آثارهم منتى، والذين حكموا مصر أحقابا طويلة هم الهكسوس، وأنهم شيدوا بمصر مدنا أجلها «زوان» و«هواز» و«أوارس»، وجعلوا فيها حصونا وقلاعا، وأنهم كانوا أذكياء عقلاء، أعجبوا بحضارة المصريين وعلمهم ولغتهم؛ فاقتبسوها وتكلموا اللسان المصري وكتبوه، واقتبسوا من الحضارة المصرية ما لاءمهم، وأنهم كانوا يحبون العمارة والبناء، فاستخدموا المصريين في بناء المدن على الأسلوب المصري، وأمروهم أن يجعلوا لهم التماثيل وأن يميزوها عن تماثيل ملوكهم الفراعنة؛ فميزوهم بإبقاء شعر الرأس واللحية، وبثيابهم الخاصة وحليهم، ولم يقبلوا أن يعبدوا آلهة المصريين، بل عبدوا آلهتهم «نوت» و«ست» و«سوتخ»، وبنوا لهذه الآلهة معابد ضخمة، وأقاموا لها تماثيل فخمة في مدينتي «زوان» و«أوارس»، وكانوا يؤرخون بزمن ملكهم العظيم «نوب»، ودام عهد حكمهم من عهده إلى أن انقرضوا أربعمائة سنة.
وقد أفاد الفراعنة المصريون فهم أشياء كثيرة، أهمها التغيير في طراز البناء الفرعوني القديم، ويعد بناء أبي الهول المجنح من مبتكرات الهكسوس، ويقول بروغش بك: إن الآثار التي عثر عليها مما يتعلق بهم هي آثار قليلة جدا، والسبب في ذلك هو أن الفراعنة بعد أن تغلبوا عليهم محوا أسماءهم عن تلك الآثار، إلا اسمين اثنين تمكن النقابون المحدثون من قراءتهما، وهما «دوعاكنن» و«نوبتي».
ويقول بروغش بك أيضا: أن النبي يوسف - عليه السلام - جاء إلى مصر في زمن الملك الهكسوسي نوبتي، وكان ذلك في سنة 1750ق.م.
وقد ظل هؤلاء الملوك يحكمون ديار مصر إلى سنة 1700ق.م، ثم تمكن الفرعون أحمس ملك طيبة أن يقضي على آخر ملوكهم، وحكم مصر اثنين وعشرين سنة، حاول فيها أن يطمس كل آثارهم.
19
وبعد القضاء على حكم الهكسوس ظهرت أسر قوية أعظمها الأسرتان التاسعة عشرة والعشرين، وأشهر ملوكها «رعمسيس الأول» رأس الأسرة التاسعة عشرة، وكان حوالي سنة 1315ق.م؛ و«رعمسيس الثاني» حفيده، وابن «بسامانيك الأول»، وحكم من سنة 1292ق.م. إلى سنة 1225ق.م، وقد حارب الحثيين في سوريا، وكسرهم في قادش، وكان عظيما ميالا إلى العمران فشيد القصور الفخمة، والهياكل الجبارة، وأعظمها في بلاد النوبة، وطيبة، والأقصر، والكرنك؛ و«رعمسيس الثالث» الذي حكم مصر من سنة 1200ق.م. إلى سنة 1179ق.م، وقد حارب أهل ليبيا، وصد هجمات شعوب البحر.