أما تونس، فإنها بعد أن خضعت للدولة العثمانية وتعاقب على الحكم فيها جماعة من الحامية الانكشارية التركية إلى أن ظهر من بينهم حسن بن علي، فاتخذ لنفسه لقب «باي تونس» وتعاقب أبناؤه على البلاد من بعده.
وحدث في سنة 1881م أن اعتدت بعض القبائل التونسية على أجزاء من بلاد الجزائر، فاتخذت فرنسة ذلك ذريعة لإرسال حملة عبرت بها الحدود وحاصرت العاصمة التونسية، ولم تفك الحصار عنها إلا بعد أن أملت على الباي محمد الصادق شروط معاهدة الحماية (معاهدة باردو)، فوقعها الباي مرغما، ولكن الشعب التونسي ظل يقاوم الحماية الفرنسية، وكانت أولى الحركات الوطنية القوية في مقاومة الاحتلال الفرنسي حركة سنة 1905م، ثم حركة «علي باش حميه» في سنة 1908م.
ولما انتهت الحرب العالمية الأولى ظن أحرار تونس أن الحكومة الفرنسية ستنصفهم وتقدر الجهود التي بذلوها في هذه الحرب، وظنوا كما ظن المصريون والسوريون والعراقيون أن الحلفاء قوم يعرفون معنى الوجدان والحرية والعدالة، ولكن خاب ظنهم، وكان نصيب عبد العزيز الثعالبي زعيم حزب الدستور التونسي النفي والتشريد، كما نفي وسجن عدد كبير من أحرار البلاد وفي طليعتهم الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية الحالي. •••
وأما مراكش، فهي الدولة المغربية الوحيدة التي استطاعت - على الرغم من ضعفها - أن تحافظ على استقلالها، وتنجو من الحكم التركي، كما نجت من الضغط الإسباني والبرتغالي طوال القرن التاسع عشر. فلما كان القرن العشرون، أخذت فرنسة تتقرب من سلاطين مراكش زاعمة أنها تريد تدريب جيشها وتقويته، وانخدع مولاي الحسن 1873-1894 بذلك، فسمى بعض الفرنسيين مدربين في جيشه. وفي سنة 1904م اتفقت بريطانية وفرنسة على أن تترك الأولى للثانية حرية التصرف في مراكش بشرطين: أولهما؛ أن تكون المنطقة الشمالية الغربية المواجهة لجبل طارق تحت حكم إسبانية، والثاني؛ أن تكون طنجة ميناء دوليا محايدا. وفي سنة 1908م اتفقت فرنسة وإسبانية على اقتسام النفوذ في مراكش، وجعلت منطقة الريف تحت النفوذ الإسباني، وقد شجعت هذه الاتفاقات فرنسة على أن تتجاهل احتجاجات ألمانية، إلى أن تولى السلطنة مولاي عبد الحفيظ سنة 1908م، فثارت عليه القبائل، فاستعان بفرنسة على إخماد ثورتهم. ولكن الجنود الفرنسيين كانوا جنود احتلال لا جنود نجدة، ودخلت قواتهم مدينة فاس سنة 1911م، وقامت أزمة عنيفة بعدئذ انتهت بتسليم ألمانية مركز فرنسة في مراكش.
وفي سنة 1912 اضطر مولاي عبد الحفيظ إلى أن يوقع معاهدة حماية مع فرنسة، فرضت فرنسة بموجبها سلطانها على البلاد وسمت الجنرال ليوتي مقيما عاما، وظلت البلاد تقاسي ويلات الاستعمار الفرنسي إلى أن تولى السلطنة مولاي محمد بن يوسف بن عبد الحفيظ، فأخذ يناوئ الاستعمار الفرنسي إلى أن اعترفت فرنسة باستقلال البلاد.
وأما المنطقة التي تحتلها إسبانية من مراكش، فقد ظهر فيها المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وقاد ثورة ضد الإسبان في سنة 1923م، وأوقع بالعدو خسائر عظيمة حتى كاد أن يجلوه عن البلاد، ولكن الفرنسيين خافوا أن يصل حد سيفه إلى رقابهم، فتعاونوا والإسبان على سحق قواه، واضطروه إلى الاستسلام، فاستسلم ونفوه إلى جزيرة «رينيون» في المحيط الهندي ثم لجأ إلى مصر. •••
وأما ليبية، فقد كانت تحت سلطة الأسرة السنوسية التي اتخذت مدينة بنغازي مقرا لها، وكان زعيمهم السيد محمد علي السنوسي ذا نفوذ قوي وسلطان عظيم، وقد وضع نظاما لإدارة البلاد منذ عام 1851م، ولما مات سنة 1859م خلفه ابنه المهدي، وكان ذا نشاط كبير، فعمت الطريقة السنوسية في إقليمي برقة وطرابلس الغرب، والسودان الغربي، فخافته الدولة العثمانية على نفوذها وأخذت تحاربه، واضطر إلى اللجوء إلى واحة جغبوب، ثم اضطر إلى مغادرتها في سنة 1894م إلى واحة الكفرة، وازدادت الحركة السنوسية في الجنوب حتى بلغت أعالي السودان، وأخذ الاستعمار الفرنسي يحاربها بعنف حتى مات المهدي السنوسي في سنة 1902م، فأخذ خلفاؤه يجمعون قواهم إلى أن أراد الإيطاليون احتلال ليبية، فوقفوا في وجههم وقفات أثبتت صدق وطنيتهم، واستطاعوا أن يحصروا الاحتلال الإيطالي في الساحل.