2
ولكن الحكومة البريطانية استبدت بالحكم إلى أن كانت حادثة قتل «سر دارها» في سنة 1924م، فتخلص نهائيا من السيطرة المصرية، ولم تبق لمصر فيه إلا رسوما شكلية، وعزلت المديريات الثلاث الجنوبية عن شمالي السودان؛ محاولة بذلك فصل الجزء العربي عن الجزء غير العربي، ومنعت نشر الدين الإسلامي في هذه المديريات، وسهلت للمبشرين الأجانب بنشر المسيحية، ولكن الوعي القومي في جميع السودانيين من عرب وغيرهم وقف بالمرصاد أمام المطامع الاستعمارية حتى استقل السودان على ما هو معروف.
الفصل السادس
| الحالة في شمال أفريقيا
رأينا في الفصل الخامس بتاريخ شمال أفريقيا من «عصر الانحدار» أن المغرب العربي كان قبل سنة 1261ه تحت سلطان دولة الموحدين القوية التي وحدت بلاد المغرب كلها من حدود برقة إلى المحيط الأطلسي، ولما أن انحلت عراها قام مقامها في المغرب دويلات صغيرة ضعيفة متنابذة في الجزائر وتونس ومراكش وليبيا، وكانت هذه الدول الصغيرة تتناحر تناحرا أطمع دول الاستعمار الغربي فيها. وكان الإسبان والبرتغال أنشط تلك الدول الاستعمارية في مد يدهم إلى المغرب العربي، وقد حاول المغاربة وقف سيل الاستعمار المنحدر نحوهم من الساحل الأوروبي، فلم يستطيعوا وقفه، وتمكن الإسبان من الاستيلاء على أكثر ثغور تونس والجزائر وطرابلس، كما تمكن البرتغال من الاستيلاء على بعض ثغور المغرب الأقصى في مراكش، وأخذ الإسبان والبرتغال يسيئون معاملة الأهلين، فاستغاثوا ولا مغيث، ولمع في تلك الفترة نجم أخوين مغربيين كانا يمتهنان القرصنة في البحر الأبيض المتوسط، وهما خير الدين باربروس (أي ذو اللحية الحمراء) وأخوه عروج، ولما قوي نفوذهما، وكثرت أموالهما من أعمال القرصنة في السواحل الإيطالية والإسبانية والبرتغالية، وقويت شوكتهما عمدا إلى الاستقرار وأسسا إمارة غنية قوية، ثم مات عروج وانفرد باربروس، فالتف الناس من حوله وألف جيشا قويا استطاع أن يهزم به الإسبان من قلاع الجزائر، ووطد ملكه فيها، ثم أخذ يتوسع نحو الشرق والغرب في شمال أفريقية.
ثم رأى أن يتصل بالسلطان سليمان العثماني، ووضع بلاد الجزائر التي كان يسيطر عليها تحت حماية السلطان العثماني، ثم شجعه على الاستيلاء على تونس، وإنقاذها من تخبط الأسرة الحفصية فيها، وتمكن من فتحها بسهولة في سنة 1534م، واستغاث مولاي الحسن الحفصي بالإمبراطور شارل الخامس، فأمده بأسطول إسباني قوي استطاع به أن يفتح مدينة تونس سنة 1535م، وعاد مولاي الحسن الحفصي على العرش التونسي بعد أن وقع مع الإمبراطور شارل الخامس معاهدة كأنها اتفاقية حماية، وغادر الإمبراطور تونس بعد أن ترك فيها ألف جندي إسباني كحامية في البلاد، وفي سنة 1574م تمكن القائد التركي سنان باشا من الاستيلاء على تونس وأدخلها نهائيا في أملاك الدولة العثمانية.
وخضعت الجزائر وتونس للباشاة الأتراك الذين توفدهم الآستانة، ولما وقعت الفتنة بين الأسرة العلوية حاكمة مصر وآل عثمان، انتهز الفرنسيون ضعف الطرفين، فاستولوا على الجزائر أولا ثم على تونس.
وفي شهر نيسان سنة 1827م جرت حادثة تاريخية في قصر القصبة الباشا التركي (الداي) بالجزائر، حين لطم الداي حسين باشا الجزائري وجه المسيو دوفال قنصل فرنسة على أثر مشادة عنيفة جرت بينهما، فغضب القنصل الفرنسي وكتب إلى بلاده فثار ثائرها واتخذت ذلك ذريعة للاحتكاك بالجزائر في سنة 1830م، فجيشت جيشا عظيما، وأسطولا ضخما، واستطاعت أن تنزل في ميناء الجزائر بعد معارك دامية، وقد دار رحى الحرب سنوات عديدة بين الجيش الفرنسي القوي والقادة الجزائريين وفي طليعتهم الأمير عبد القادر الحسيني، الذي ظل يقاومهم سبعة عشر عاما، إلى أن اضطر إلى الاستسلام في سنة 1847م. ولم يقف جهاد الجزائريين لفرنسة طوال فترة احتلالها للبلاد، وكانت أعنف معارك الجهاد هذه معركة سنة 1871م التي قتل فيها الأحرار الجزائريون عددا كبيرا من الفرنسيين؛ لأن فرنسة كانت ضعيفة في تلك الفترة؛ لخروجها هزيلة من الحرب الألمانية، وما إن تمكن الفرنسيون من القضاء على القوى الجزائرية حتى أمعنوا في أهلها ذبحا وتقتيلا، وأدمجوا البلاد نهائيا بالبلاد الفرنسية.