تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما وقعت الحرب العالمية وانضمت إيطالية إلى الحلفاء، أعلن الليبيون تأييدهم للدولة العثمانية ضد الحلفاء، وجاءتهم المؤن والذخائر من الدولة بوساطة الغواصات الألمانية، وتحرج موقف الإيطاليين، ولكن لم تمض فترة حتى انقسم السنوسيون إلى فريقين: فريق يتزعمه السيد أحمد الشريف السنوسي الذي كان يرى وجوب تأييد الدولة العثمانية على الطليان والحلفاء عامة.

وفريق ثان يترأسه السيد محمد بن المهدي السنوسي الذي كان يقول بوجوب البقاء على الحياد وعدم تأييد فريق على آخر؛ لأن للإنكليز فضلا على السنوسيين بحمايتهم من ضربات الفرنسيين.

وكان سواد الناس مع الفريق الأول، ولما انتهت الحرب العالمية الأولى اضطر السيد أحمد الشريف إلى اللجوء لتركية ثم للحجاز، وخلفه على زعامة السنوسيين السيد إدريس الملك الحالي.

| الباب الثالث

الفصل الأول

| حالة العالم العربي الفكرية في القرن التاسع عشر

اختلفت أوضاع الحالة الفكرية في العالم العربي حوالي نهاية القرن الثامن عشر وفجر القرن التاسع عشر اختلافا كبيرا؛ فالعراق والشام غارقان في سبات، إلا ما كان من أثر بعض الإرساليات الدينية التي كان طلابها يتعلمون - إلى جانب الثقافة المدرسية الحديثة - بعض اللغات الأوروبية من إيطالية، وإفرنسية، وإنكليزية، وألمانية. والجزيرة العربية وشمالي أفريقية كانت تتخبط في دياجير الجهالة، إلا ما كان من أثر نور التعليم الديني البحت مع شيء من التعليم الأدبي، ومصر - وحدها - كانت أرقى حالا؛ لأنها أخذت من فجر القرن التاسع عشر تنشئ المدارس الحديثة المعتمدة على الأساليب العلمية الأوروبية؛ هذا بالإضافة إلى الحركة العلمية التي كان الجامع الأزهر محور نشاطها.

وقد استعان محمد علي بشبان الأزهر في تجديد النشاط العلمي، فاختار منهم نفرا استعان بهم لتأسيس بعض مدارسه الحديثة، كما أوفد نفرا منهم إلى مدارس الغرب يتلقون العلم فيها من طب وحكمة وفلسفة وطباعة وفنون، وإلى جانب الأزهر الذي كان يرعى الثقافة الفكرية والحركة الدينية والأدبية، كانت المدارس العلمية التي أنشأها محمد علي وجعل التعليم فيها باللغة العربية، وكان أقدمها إنشاء مدرسة الموسيقى العسكرية؛ فقد أحدثت سنة 1824م، وهذه المدارس هي: مدرسة الموسيقى، والتجهيزية، والمشاة، والفرسان، والمدفعية «الطبجية»، والبحرية؛ وهذه كلها مدارس عسكرية. وأما المدارس المدنية، فهي مدارس الطب، والصيدلة، والكيمياء العملية، والطب البيطري، والتعدين، والهندسة، والزراعة، والولادة، والإدارة الملكية، والحسابات، والألسن، والترجمة، والصنائع، والفنون.

وكان عدد الطلاب في هذه المدارس نحو عشرة آلاف طالب في سنة 1839م، وكانت الحكومة المصرية هي التي تنفق على طعامهم وكسوتهم ودراستهم.

وظل التعليم مزدهرا طوال عهد محمد علي، ثم وقفت في عهد عباس الأول وسعيد، فأقفل جميع المدارس المدنية وبعض المدارس العسكرية بحجة عدم الحاجة إليها لوجود عدد كبير من المثقفين، ووجود عدد كبير منهم لا يجدون العمل الحكومي، كأن التعليم كان لإيجاد موظفين وحسب.

ولما تولى إسماعيل أعاد بعض المدارس المدنية؛ إذ لم يكن في عهده إلا مدرسة ابتدائية واحدة ومدرسة عسكرية ومدرسة طبية وصيدلية، وقدم إلى مصر في عهده عدد كبير من مثقفي البلاد العربية التي ضاقت بالظلم العثماني، وبخاصة من لبنان وسورية، فكان قدومهم عاملا على إيجاد حلقات علمية وفكرية على ما سنبينه بعد.

ولما احتل الإنكليز مصر أقفلوا بعض المدارس ، كمدرسة الألسن والترجمة، وحالوا دون إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا، وجعلوا التعليم غير مجاني كما كان قبلا، وقلت العناية باللغة العربية، وفرضت اللغة الإنكليزية حتى ثارت الصحف وطالبت بالعودة إلى النظام القديم، واضطرت حكومة الاحتلال إلى الاهتمام بأمر التعليم وإنشاء المدارس الابتدائية والثانوية وبعض المدارس العالية.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٣٦