تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشرع الأمير فيصل بتنظيم أحوال البلد وترتيباتها الإدارية وتعريب دواوينها ، وألف حكومة جديدة برئاسة القائد علي رضا الركابي، وأرسل شكري الأيوبي حاكما عسكريا في حلب لينظم له الأمور؛ لأنها أكبر مدينة في بلاد الشام، فنظم أمورها وأخذ يعد العدة لاستقبال الشريف فيصل، فلما قدمها احتفلت به احتفالا جد عظيم، وخطب في حفل كبير ضم وجهاء البلد خطابا نورد بعض مقاطعه لخطورته، ولأنه يبين لنا كثيرا من آراء القيادة العربية في الحركة القومية، والأوضاع العامة للبلاد، قال:

لا شك في أنكم أيها السادة ترون منا أعمالا مهمة؛ إن حلب هي من أقاصي بلاد العرب، ولم يتصل بأهلها ما وقع بيننا وبين الأتراك، وما هو سبب قيامنا ضدهم، إن الأتراك كانوا يشيعون أن الأشراف اتفقوا مع الدول الغربية على بيع البلاد لقاء دريهمات أخذوها منهم، وأخرجوا ضدنا فتاوى ربما اغتر بها بعض البسطاء وصدقها، فنقول في رد وبطلان ما زعمه الأتراك وفيما شيعوه: إن الدين الإسلامي نشأ بقدرة الله تعالى، وانتشر بواسطة محمد النبي العظيم الذي تنسب إليه أسرتنا، فهل يتصور أحد أن أناسا يرضون بهدم ما بناه لهم جدهم من المجد والشرف، نحن لم نقم إلا لنصرة الحق وإغاثة المظلوم.

لقد ساد الأتراك ستمائة سنة هدموا خلالها صرح المجد الذي أقامه أجدادنا، وأرادوا أن يطفئوا نار العرب، ولكنها لم تطفأ؛ لأن العرب عاشت قرونا وأجيالا لم يتسن لغيرها من الأمم أن تعيش مثلها، وكانت العرب تنتظر الفرص لتنتهزها حين سنوحها.

نحن العرب نمنا ستمائة سنة، ولكننا لم نمت، ولما أعلن الأتراك النفير العام أتوا بأعمال تتبرأ منها الإنسانية، لا نرى لزوما لعدها، وكانت العرب تطالب الأتراك بحقوقها، فاغتنموا الفرصة التي مكنتهم من الانتقام من العرب.

ولقد رأى والدي أن دولة الترك لا تعمل لأجل دين أو عمل عام ينفع البلاد، وأنها أعلنت جهادها مع ألمانية لمجرد الانتقام من العناصر الخاضعة لها مثل العرب، وتبين له أن مبادئ الحكومات الغربية المدنية هي مبادئ إنسانية، مبادئ خير، مبادئ نصرة الحق، فاتفق معهم بعد الاتكال على قوة الله تعالى لعلمه أنهم ينصرون الضعيف ويساعدون على إعادة حقوق الأمم المحكومة، وتعاهد معهم على إزاحة حكومة الأتراك واستخلاص ما اغتصبوه منا نحن العرب. وباسم العرب حالف والدي الحكومات الغربية، وقام معهم ضد تركية وألمانية كتفا إلى كتف، لا كما زعم الأتراك من أن قيامنا كان نتيجة مطامع شخصية.

إن الأمم الغربية قد ساعدتنا مادة وستساعدنا معنى، وإني لأتلو عليكم برقية وردت إلي منذ ثلاثة أيام تبين لكم إحساسات الدول الغربية نحونا؛ ليفهم أهل الوطن أننا لم نبع البلاد، ولن نبيعها أبدا.

ثم طلب إلى أمين سره أن يتلو نص البرقية، فقرأ النص الآتي:

إن الهدف الذي ترمي إليه فرنسة وبريطانية العظمى بمواصلتهما في الشرق تلك الحرب التي أثارها الطمع الألماني، هو تحرير الشعوب التي طالما ظلمها الترك تحريرا نهائيا، وتأسيس حكومات ومصالح أهلية تبني سلطتها على اختيار الأهالي الوطنيين لها اختيارا لا جبرا، وقيامهم بذلك من تلقاء أنفسهم، وتنفيذا لهذه النيات قد وقع الاتفاق على تشجيع العمل لتأسيس حكومات ومصالح أهلية في سورية والعراق اللتين أتم الحلفاء تحريرهما، وفي البلاد التي يواصلون العمل على تحريرها، وعلى مساعدة هذه الهيئات والاعتراف بها عند تأسيسها فعلا.

والحلفاء بعيدون عن أن يرغموا سكان هذه الجهات قبول نظام معين من النظامات، وإنما همهم أن يحققوا معاونتهم ومساعدتهم النافعة ... وأن يقيموا لهم قضاء عادلا واحدا للجميع، وأن يسهلوا انتشار العلم في البلاد وتقدمها اقتصاديا، وذلك بتحريك همم الأهالي وتشجعيها، وأن يزيلوا الخلاف والتفرق الذي طالما استخدمته السياسة التركية.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٢٥