قسم يقوده الشريف علي بن الحسين، وهو مؤلف من ثلاثة عشر ألف مقاتل، فيهم ألف هجان، وعشرة آلاف جندي نظامي من عرب الشام والعراق الذين انفصلوا عن الجيش التركي والتحقوا بالقوى العربية، والباقون من عرب البادية وكان مقرهم في «رابغ». (3)
قسم يقوده الشريف عبد الله بن الحسين، وكان مؤلفا من أربعة آلاف مقاتل من البدو، وفيهم بعض العرب الذين كانوا في الطائف وانضموا بعد استسلام الوالي التركي فيها، وكان مقرهم في الطائف إلى جهات شرقي المدينة المنورة.
وكانت هذه الأقسام الثلاثة تتساند في حملاتها على الجند العثماني. ولما رأى فخري باشا أن الوضع قد أصبح خطيرا؛ رأى أن يوجه قوته الباقية كلها نحو مكة ليقضي على الشريف حسين، فبعث إليه من المدينة بخمسة آلاف جندي نظامي مدربين، ولكن الجند العربي استطاع أن يفتك بهذه الحملة، وكانت المعركة من أشد المعارك الحربية التي جرت في الحجاز.
وكانت المعركة الثانية في المدينة؛ فإن الجيش العربي بعد أن فتك بحملة فخري باشا واستولى على مدينتي ينبع ورابغ، قرر أن يتوجه نحو المدينة، مركز الجيش التركي وحصنه الحصين، وكان قائد الحملة الشريف فيصل، وقد هدف من وراء خطته هذه إلى أمرين:
أولهما:
الاستيلاء على المدينة المنورة، وهي ثاني مدن الحجاز.
وثانيهما:
عرقلة سير انسحاب الجيش التركي من المدينة المنورة إذا ما عزم على ترك البلاد والالتحاق بالفرق التركية المرابطة في فلسطين وسورية عن طريق الخط الحديدي.
وهكذا سار الشريف فيصل نحو شمالي الحجاز لينازل الجيش التركي، وقسم جيشه إلى قسمين: قسم صغير مؤلف من خمسمائة مقاتل، امتطى سفينة بريطانية متجها في البحر نحو «الوجه»، وقسم كبير مؤلف من نحو عشرة آلاف مقاتل سار إلى «الوجه» عن طريق البر، وتم الاتفاق بين القسمين على أن تصل الحملة البرية في 23 كانون الثاني سنة 1917م إلى «الوجه»، وتصل إليها الحملة البحرية في التاريخ نفسه. ولكن الحملة البرية تأخرت لأسباب قاهرة، ووصلت الحملة البحرية في موعدها. ولما رأى قائدها أنه لا يستطيع البقاء في الماء طويلا، اضطر أن يطلق المدافع على ميناء «الوجه» ويحتلها ويجلي الحامية التركية فيها، ثم وصلت الحملة البرية بقيادة الشريف فيصل، فطهر المنطقة من فلول الأتراك، وسيطر على شمالي البلاد الحجازية.
ولم يبق في يد الأتراك إلا «المدينة» نفسها، ففكروا أن ينسحبوا منها ويركزوا قواهم في المنطقة الواقعة بين «معان» و«بئر السبع» على الخط الحجازي الحديدي الواقع بين المدينة ودمشق. فأخذت القوات العربية تعمل في الخط الحجازي ومحطاته وجسوره تخريبا؛ لتعوق القوى والمؤن من الوصول إلى الجيش التركي في المدينة، وسار قسم من هذه القوات بقيادة الشريف ناصر، وكان فيها الشيخ عودة أبو تايه زعيم عرب الحويطات، والمستر لورنس، ووجهتها «العقبة» لاحتلالها، فوصلتها في تموز سنة 1917م بعد أن خربت المحطات والجسور والسكك الحديدية، وشتت شمل الحامية التركية المرابطة هناك.
وكان استيلاء القوى العربية على العقبة نهاية معارك الثورة العربية في الحجاز وابتداؤها في الشام؛ فإن الشريف فيصل سار بقواه في الجزيرة نحو فلسطين، وتوحدت قواه مع قوى الحلفاء تحت قيادة الجنرال أللنبي.
وأخذت القيادة المشتركة تعمل في تطهير أراضي فلسطين من فلول الجيش التركي بقية عام 1917م ومطلع عام 1918م، ولمع نجم الشريف زيد بن الحسين أصغر أنجال الشريف حسين في هذه الفترة، واستولى الجنرال أللنبي على «القدس» و«الصلت» و«عمان»، ثم جرت معارك عنيفة بين الجانبين حول «معان»، وخرج منها الأتراك بعد أن فقدوا عددا كبيرا من الضباط والجنود، وتوجهت القوى العربية والحليفة إلى حوران، فدخلتها في أيلول سنة 1918م بعد أن مزقت الجيش التركي الرابع شر تمزيق الذي كان السفاح جمال باشا يفخر به، ويقول: إنه جيش لا يقهر، فتشتت شمله، وأخذت القوى العربية تنظم وحداتها وتطهر البقاع المجاورة من الفلول التركية حتى كان شهر تشرين الأول من تلك السنة، فزحفت نحو دمشق بقيادة الشريف ناصر، ورحب الناس بها أعظم ترحيب، وألف أول حكومة عربية برئاسة السيد شكري الأيوبي، ثم ما عتم الأمير فيصل أن قدم إلى دمشق فاستقبلته استقبالا لم تستقبل به أحدا منذ قرون عديدة؛ لشدة تعلقها بالحرية، ولأنه كان رمز النضال القومي ضد المستعمرين الظالمين الأتراك.