تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلق الشريف على هذه البرقية بقوله: لا شك في أن هذه البرقية هي من النبذ التاريخية العظيمة، وأنها تنم عن شواعر عالية، وحسيات عالية، لا يقوم العرب بأداء واجب الشكر عليها إلا بتحقيق أماني هذه الدول، وهي تشكيل حكومة عادلة قوية تحفظ حقوق جميع أهل هذه البلاد.

أيها الإخوان: إننا اليوم في موقف حرج، فالأمم المتمدنة وحلفاؤنا ينظرون إلينا بنظر الإعجاب والتقدير، وأعداؤنا يرمقوننا بعين الانتقاد، ولقد خرج الأتراك من بلادنا ونحن الآن كالطفل الصغير، لا حكومة ولا جند، ولا معارف، والسواد الأعظم من الشعب لا يفقهون من الوطنية والحرية، ولا ما هو الاستقلال، حتى ولا ذرة من كل هذه الأمور؛ وذلك نتيجة ضغط الأتراك على عقول وأفكار العامة، فلذا يجب أن نفهم هؤلاء الناس قدر نعمة الاستقلال، ونسعى إن كنا أبناء أجدادنا لنشر لواء العلم؛ لأن الأمم لا تعيش إلا بالعلم والنظام والمساواة، وبذلك نحقق آمال حلفائنا.

وأحض إخواني العرب على اختلاف مذاهبهم بالتمسك بأهداب الوحدة والاتفاق، ونشر العلوم، وتشكيل حكومة نبيض بها وجوهنا؛ لأننا إذا فعلنا كما فعل الأتراك نخرج من البلاد كما خرجوا، لا سمح الله، وإن فعلنا ما يقضي به الواجب يسجل التاريخ أعمالنا بمداد الفخر.

إنني أقل الناس قدرا وأدناهم علما، لا مزية لي إلا الإخلاص. وإنني أكرر هنا ما قلته في جميع مواقفي بأن العرب هم عرب قبل موسى وعيسى ومحمد، وأن الديانات تأمر كلها باتباع الحق والأخوة، فمن يسعى لإيقاع شقاق بين المسلم والمسيحي والموسوي فما هو بعربي.

أيها الإخوان: أقسم لكم بشرفي وشرف عائلتي، وبكل مقدس ومحترم عندي، بأنه لا تأخذني في الحق لومة لائم، ولا أحجم عن مجازاة من يتجرأ على ذلك، فلا أعتبر الرجل رجلا إلا إذا كان خادما لهذه التربة.

وعندنا - والحمد لله - رجال أكفاء كثيرون، ولكنهم مقيمون خارج الديار وفي بلاد الأتراك، وسيأتون قريبا - إن شاء الله - فيصلحون الخلل الموجود هنا، ولا يجدر بنا أن نتقاعس عن العمل ريثما يأتون، فما لا يدرك كله لا يترك جله، وعلينا أن نبتدئ بدون أن ننظر للمرء من حيث شرف عائلته وخصوصيته، بل ننظر إلى الرجل الكفء، شريفا كان أو وضيعا؛ إذ لا شرف إلا بالعلم، والإنسان يخطئ فإذا ما أخطأت فسامحوني وبينوا لي مواطن خطئي.

وبما أن أغلب الأفراد يجهلون قدر نعمة الاستقلال - كما بينت لكم - فلا يبعد أن يحصل في بعض المحلات ما يخل بالأمن، فالحكومة مجبورة على تطبيق معاملاتها على القانون العسكري العرفي مدة الحرب، ريثما يتم تشكيل حكومة منتظمة.

وأرجو إخواني أهل البلاد أن ينظروا إلى الحكومة نظر الولد البار للوالد الشفيق، ويساعدوها جهد طاقتهم، ويعلموا أن الحكومة مشارفة على أعمال الأفراد والموظفين، وإن الحكومة في طورها الجديد بحاجة لإيجاد قوة تحفظ كيانها، فكل من يريد أن يعبث بأوامرها ويخل بمقرراتها يستهدف ليدها القوية.

الدرك والشرطة هما قوام البلاد، وبدونهما لا تنتظم أحوال الحكومات؛ لذلك أطلب من الجميع - وخصوصا الشبان - أن ينتظموا بهما، وألا يتأخر أحدهم عن خدمة وطنه وبلاده بدون النظر لموقعه العائلي.

أيها الإخوان: إن العرب أمم وشعوب مختلفة باختلاف الأقاليم، فالحلبي ليس كالحجازي، والشامي ليس كاليماني؛ ولذا قد قرر والدي أن يجعل البلاد مناطق يطبق عليها قوانين خاصة بنسبة أطوار وأحوال أهلها، فالبلاد الداخلية يكون لها قوانين ملائمة لموقعها، والبلاد الساحلية أيضا يكون لها قوانين طبق رغائب أهلها.

وسأنظر، بأعجل وقت، في شئون الأوقاف والكنائس ورد حقوقها المغصوبة من قبل الأتراك، ونعطي كل ذي حق حقه.

أيها الإخوان: إنكم أعطيتموني البيعة بمنتهى الإخلاص والرضا، فأقابلها بالقسم العظيم؛ إني لا أفتأ عن نصرة الحق ورد الظلم وكل ما يرفع شأن البلاد، وأرغب إلى الأهالي أن يؤازروني بالعمل في خدمة الجامعة، إلى أن يلتئم مجلس الأمة، فأقول حينئذ: هذه بضاعتكم ردت إليكم.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٢٦