وغادر دمشق في السادس عشر من أيار سنة 1916م بعد أن رأى إخوانه من أحرار العرب ورجال جمعيتي «العربية الفتاة» و«العهد» معلقين على الأعواد في بيروت ودمشق وحلب. ولما وصل إلى المدينة رأى أن الأتراك ينظمون خططهم للفتك بأبيه وبعرب الحجاز، فاجتمع إلى أخيه الأكبر الشريف علي ونظما خطتهما، وجمعا بضعة آلاف مقاتل استطاعا بها أن يهاجما أطراف المدينة في 8 حزيران سنة 1916م، وأعلن الشريف حسين في 10 حزيران سنة 1916م الموافق ليوم 9 شعبان سنة 1334ه إعلان الثورة العربية من مكة المكرمة.
ولما بلغ خبر الإعلان إلى ديار الشام والعراق فرح الناس بذلك فرحا عظيما، وزحفت جيوش الحلفاء نحو العراق فاحتلت ميناء البصرة، ثم سارت نحو كوت الإمارة «العمارة» في اتجاه بغداد، كما اشتبك الإنكليز مع قوى الأتراك في حملة السويس بقيادة جمال باشا الذي أراد الاستيلاء على قناة السويس وطرد الإنكليز من القطر المصري.
ولكن قواه قد تشتت وحملته قد تبعثرت، فأخذ يهيئ حملة ثانية استعد لها استعدادا كبيرا، ثم التقت قوى الجيش العربي-الإنكليزي بجيش الحملة التركية، فشتته، ودخلت مدينة غزة، وكانت هذه المعركة أولى المعارك التي اشترك فيها العرب مع أحلافهم الإنكليز في محاربة الجيش العثماني.
قال جمال باشا في مذكراته يصف حالة جيشه في تلك الحملة:
يقصر اللسان عن أن يوفي القوات العثمانية - لا فرق بين ضباطها وجنودها اللائي اشتركن في حملة القناة الأولى - حقهن من الثناء على ما بذلنه من الجهود وأظهرنه من ضروب الوطنية العالية، وأرى من واجبي تقديم إعجابي لأولئك الجنود البواسل الذين قاموا بذلك الزحف غير مبالين بما لاقوه من ضروب الضنك وتحملوه من المشاق في سحب المدافع، فضلا عن الجسور المتحركة، وهي كل ما كان لدينا من المعدات لعبور القناة وسط بحر من الرمال.
هذا وقد ساد بين رجال الحملة - لا فرق بين الأتراك والعرب - شعور العطف الأخوي، ولم يكن بينهم من يضن بحياته دفاعا عن إخوانه، والواقع أن الحملة الأولى كانت برهانا ساطعا على أن غالبية العرب الساحقة انضموا إلى الخلافة العثمانية بقلوبهم وجوارحهم.
5
الفصل الثاني
| جيش الثورة العربية، وأشهر معاركه، وقضاؤه على الحكم التركي
تأسيس الحكم العربي الهاشمي في الشام والعراق
كان القائد التركي فخري باشا في المدينة ومعه عدد ضخم من الجنود، وكان جبارا عسوفا، له في الفتك بالأرمن أخبار مخيفة. أرسله الباب العالي سنة 1916م للفتك بعرب الحجاز ومعاملتهم بما عامل به الأرمن في بلاد «أورفه» و«السويدية» و«كلمس» و«عينتاب»، حينما كان في تلك الديار سنة 1915م.
وما إن استقر به المقام في الحجاز حتى أخذ يجمع جموعه للفتك بالقبائل العربية، وكانت قبيلة «بني علي» أولى القبائل التي لقيت منه ويلات شدادا، فقد أمر السفاح فخري جنوده أن يبيدوا أفراد القبيلة نساء ورجالا وأطفالا، وأن يحرقوا قراهم، ويبيدوا حرثهم ونسلهم. وقد انتشرت أخبار حملته على بني علي في الحجاز كله، فحلف أحرار الجزيرة كلها على الاستماتة في سبيل محاربة الأتراك، وتأييد الجيش العربي في حملته على الطغاة الطورانيين، ثم تمكنوا من الاستيلاء على ميناء جدة في حزيران من تلك السنة واستولوا على ما في ثكناتها من الأسلحة والذخيرة، وأسروا من فيها من الجنود، وأخذت الثورة العربية منذ ذلك الحين تسير من نصر إلى نصر؛ فدحروا حامية مكة التركية واستولوا على أسلحتها، وتوجهت قواهم نحو الطائف - حيث كان يقيم الوالي التركي - وحاصروه من حزيران إلى أيلول فاستسلم لهم، وكان قائد الحملة العربية الشريف عبد الله بن الحسين.
وكان الجيش العربي وقتئذ مقسما إلى ثلاثة أقسام: (1)
قسم يقوده الشريف فيصل بن الحسين، وهو مكون من نحو عشرة آلاف مقاتل أكثرهم من قبائل المدينة المنورة، مثل: بني جهينة، وعتيبة، وعجيل، وبليس، وفيهم نحو ألف خيال والباقون مشاة، وكان مقرهم في البادية بين المدينة المنورة وينبع. (2)