22
ولما سلم الرشيد الأمين إليه، أوصاه بوصية تعتبر من أحسن الوصايا التربوية لما اشتملت عليه من النصائح والآداب، وفيها يقول له: يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين؛ أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنين، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. قال الأحمر: فكنت كثيرا ما أشدد عليه في التأديب، وأمنعه الساعات التي يتفرغ فيها للهو واللعب.
23
الأعراب الفصحاء
اهتم بعض الأعراب الفصحاء المشهورين بسعة الاطلاع وفصاحة الألسنة، بتعليم الأطفال، وكان كثير من العلماء والأئمة يقصدونهم أيضا ويروون عنهم ما يعرفون من أحوال اللغة العربية وآداب الجاهلية والإسلام وشعرهما وحكمهما، وقد اتخذ بعضهم كتاتيب في العواصم الكبرى يعلمون فيها الأطفال ويهذبونهم ويروونهم الشعر وأخبار البادية العربية، كما اتخذ بعضهم حرفة التأديب في بيوتهم، فمنهم: (1)
أبو الوزير عمر بن مطرف (؟-168): وكان كاتبا عالما أديبا من بني عبد القيس، سكن مرو، ونبغ في الكتابة والعلم والأدب، وقصد العراق ولمع اسمه هناك فتقلد ديوان المشرق للخليفة المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد. قال الجاحظ: ما كان عندنا بالبصرة رجلان أدرى بفنون العلم ولا أحسن بيانا من أبي الوزير، وأبي عدنان - وسنذكره فيما بعد - وحالهما من أول ما أذكر من أيام الصبا، قيل إنه مات في زمن المهدي، والصواب أنه مات في زمن الرشيد فحزن عليه وصلى عليه ورثاه بقوله: رحمك الله، فوالله ما عرض لك أمران أحدهما لله والآخر لك إلا آثرت ما هو لله على ما هو لك. وكان ثقة مأمونا بليغا مقدما في صناعته، وله تآليف منها «كتاب منازل العرب وحدودها وأين كانت محلة كل قوم وإلى أين انتقل منها» و«كتاب رسائله»، و«كتاب مفاخرة العرب ومنافرة القبائل في النسب».
24 (2)
أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى (المتوفى حوالي منتصف القرن الثاني): كان من الأدباء الرواة، والمعلمين الثقات، وكان راوية لأبي البيداء الرياحي أسعد بن عصمة العالم الفصيح المشهور، وكان من شعراء البصرة ولغوييها ومؤلفيها القدماء، ومحدثيها الأفاضل، وله من الكتب «كتاب النحويين» و«كتاب الغريب» و«كتاب ما جاء من الحديث المأثور من النبي مفسرا»، وهو الذي قال عنه الجاحظ: ما كان عندنا بالبصرة رجلان أدرى بفنون العلم ولا أحسن بيانا من أبي الوزير وأبي عدنان.
25 (3)
أبو البيداء أسعد بن عصمة الرياحي (في أواسط المائة الثانية): كان من الأدباء الرواة والمعلمين الأفاضل الثقات، وكان زوج أم أبي مالك عمرو بن كركرة عالم اللغة وراويتها المشهور، وهو أعرابي لقن فطن جدا، نزل البصرة أول ما ترك البادية فاتخذ حرفة تعليم الصبيان مكتسبا، وكان أعيانها يعطونها أجل الأجور لتعليم أبنائهم، وقد ظل في البصرة طول عمره يؤخذ العلم عنه وينشر العربية، وكان شاعرا محسنا وله ديوان.
26 (4)
أبو مالك عمرو بن كركرة (في أواسط المئة الثانية): كان من أفصح الأعراب الأذكياء الفضلاء، عالم اللغة المشهور. وقد امتهن تعليم الصبيان في البادية أول أمره ثم قدم الحاضرة فاتخذ الورفة صناعة له، وهو راوية أبي البيداء الرياحي وربيبه وخريجه، وكانت أمه تمت إلى البيداء فتربى في حجره، قال ابن النديم: ويقال إن أبا مالك كان يحفظ اللغة كلها، وكان من أئمة النحاة البصريين. قال الجاحظ: وكان أحد الطياب يزعم أن الأغنياء عند الله أكرم من الفقراء، ويقول إن فرعون عند الله أكرم من موسى. وقال السيوطي: قال ابن مناذر كان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وأبو عبيدة في نصفها، وأبو يزيد في ثلثيها، وأبو مالك فيها كلها، وإنما عني توسعهم في الرواية والفتيا لأن الأصمعي كان يضيق ولا يجوز إلا أصح اللغات.