هذا هو وجه التعليم المفيد في رأي الفيلسوف المربي ابن خلدون، وهو كما رأيت يحصل - كما يقول - في ثلاثة تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك.
276
ثم يعرض في فصل لطيف إلى بيان رأيه في العلوم الإلهية، ويقول إن هذه العلوم لا توسع فيها الأنظار، ولا تفرع المسائل.
ثم يذكر أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، لا سيما في أصاغر الولد، ولا ينبغي لمؤدب الأطفال أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إلى ذلك على ثلاثة أسواط.
ويختم آراءه في شئون الطلبة والتعليم بوجوب الرحلة في سبيل العلم ولقاء الشيوخ، وأن هذا من التقاليد القديمة في الملة الإسلامية.
وصفوة القول أن مذهب ابن خلدون في التربية هو مذهب واقعي عملي، وهو أقرب إلى المذاهب الواقعية السهلة منه إلى المذاهب النظرية المعقدة، ولو أن المربين المسلمين في زمانه وبعده ساروا على الطريقة المفيدة الواقعية التي دعا إليها لما تخبطوا في دياجير الجهالة التي مرت بها الأمة الإسلامية منذ القرن الحادي عشر الهجري إلى عصر النهضة العربية.
| الخاتمة
أما بعد، فهذه نظرة شاملة إلى تاريخ التربية والتعليم ومعاهدهما وأساليبهما وطرقهما وبرامجهما وكتبهما في العالم الإسلامي منذ فجر الإسلام الزاهي إلى العصور المتأخرة الراكدة. وقد بذلنا وسعنا لتبين الطريق الرشيدة التي سلكها أجدادنا العرب المسلمون في تربية أبنائهم وتنشئة أحفادهم تنشئة صالحة مكنتهم من تكوين تلك الإمبراطورية العربية المسلمة التي نعتز بها، ونرفع رأسنا بذكرها.
إن من يدقق في هذا الكتاب ويمعن النظر في الآراء والنظريات العلمية التي نشأ بموجبها آباؤنا أبناءهم، يرى أنهم لم يبنوا تلك الحضارة اعتباطا ولا جزافا، وإنما هي مبنية على أسس قويمة، وقواعد ثابتة مدروسة تهدف إلى إنشاء الفتى العربي حرا في نفسه مستقلا في تفكيره، واثقا من أقواله، لا يصدر آراءه وأحكامه إلا بعد التفكير والاختبار لا عن تقليد أو اضطرار.
وإنهم ما كانوا يحشرون العلم في ذهنه حشرا، أو يرغمونه على الحفظ وحشو الدماغ حشوا، بل يتركون له حرية القراءة والاستيعاب والحفظ، ولا يقسرونه على شيء، وكانوا يحرصون على تنمية ملكاته متبعين في ذلك سنة الكون وعامل الزمن، وإنهم وإن أباحوا ضربه إذا أذنب فإنما فعلوا ذلك رحمة به وإشفاقا عليه من أن يضل أو يفسد.
| ملحق
ينتظم أسماء نفر من كبار قدماء المربين والمعلمين في الإسلام
من مشاهير قدماء المربين والمعلمين في الإسلام نفر كان لهم قدر رفيع ومكانة سامية في المجتمع الإسلامي، وأثر في رفع المستوى الثقافي بصورة عامة والأدبي بصورة خاصة. وقد أحببت أن أهتم بشئونهم، وأختم هذا الكتاب بذكرهم، وبالإشارة العابرة إلى بعض أخبارهم، وأرجو أن يكون هذا حافزا للمؤلفين من بعدي فيدرسوهم دراسة أوسع، ويعلموا أن في النفر الأولين من قدماء المربين العرب والمسلمين أئمة جلة أسهموا في رفع شأن العرب والمسلمين، وكان لهم نصيب موفور في رفع ركن الحضارة العلمية لا يقل عن نصيب كبار الفاتحين، وعظماء المتفقهين، وفحول العلماء العاملين:
الصحابة (1)
الصحابي الجليل جبير بن حية الثقفي (؟-85؟): كان له كتاب في الطائف، يعلم فيه الناس مبادئ الكتابة والقراءة، وعلوم العربية والرياضيات في عهد أمير المؤمنين ابن الخطاب.
ثم إنه ترك هذه الصناعة الرفيعة ليصبح غازيا فواليا. قال عنه ابن حجر: «هو ابن عم المغيرة بن شعبة، وابن أخي عروة بن مسعود، ثبت في صحيح البخاري أنه شهد الفتوح في عهد عمر، وأخرج البخاري الحديث بذلك ... وليست صحبته عندي بمندفعة، فمن يشهد الفتوح في عهد عمر لا بد أنه يكون رجلا ... وكان المذكور يسكن الطائف، وكان معلم كتاب، ثم قدم العراق فاستقر كاتبا في الديوان، ثم ولاه زياد أصبهان وعظم شأنه، ومات في خلافة عبد الملك ...»