تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا أراد بعض الطلبة الذهاب قبل أهل المجلس سلم عليه.

وبهذا ينتهي كتاب ابن السمعاني، وهو - كما ترى - خاص بتعليم رواة الحديث وطلابه، ولكنه يعطينا صورة عن بعض أنواع العلم وطريقة أخذه، وإنما أسهبنا في الكلام عنه لنبين شدة اعتناء المسلمين بالحديث النبوي واعتبارهم إياه ركنا ركينا في بناء الثقافة العربية الإسلامية. (5-10) كتاب العلامة الزرنوجي

هو العلامة برهان الدين الزرنوجي، أحد علماء القرن السادس ومن كبار رجال التربية المسلمين (؟-571)، وقد ألف رسالة لطيفة الحجم كثيرة الفوائد يلخص فيها آراء المربين المسلمين، واعتمد فيها كل الاعتماد بصورة خاصة على آراء الإمام الغزالي وسماها «تعليم المتعلم لتعليم طرق العلم»، وقد اعتنى المربون المسلمون بها عناية شديدة فشرحوها وعلقوا عليها؛ فمنهم الشيخ يحيى بن علي بن نصوح المشهور بنوعي (؟-1007)، وكان شاعرا تركيا ومؤلفا بالعربية متقنا، ومنهم الإمام عبد الوهاب الشعراني الشاعر المؤلف الصوفي الأشهر، ومنهم القاضي زكريا الأنصاري العالم المشهور.

271

والرسالة - على اختصارها وعدم إتيان صاحبها بجديد في موضوع التربية - مفيدة وذات أثر واضح في التربية الإسلامية لاشتهارها واعتناء الناس بها واعتمادهم عليها في تهذيب أطفالهم؛ ولهذا ذكرناها. (5-11) مباحث العلامة ابن خلدون

أبدع العلامة المؤرخ الفيلسوف عبد الرحمن بن محمد الحضرمي المالكي المشهور بابن خلدون (؟-808) في مقدمته إبداعا فائقا في تربية الأطفال وطريقة تعليمهم؛ فإنه لم يسلك مسلك اليونان، ولا استحسن طريقة فقهاء الإسلام أو الصوفية والمحدثين، وإنما اختار مذهبا خاصا نلخصه فيما يلي:

يقول ابن خلدون: إن العلم والتعلم طبيعي في العمران البشري لأن الإنسان إنما يتميز عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به ليحصل معاشه، والتعاون مع أبناء جنسه والاجتماع المهيأ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه.

272

وإن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: «علوم مقصودة بالذات» كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه والكلام والطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، و«علوم وسيلة آليه» لتلك العلوم كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين.

فأما العلوم التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها.

وأما العلوم التي هي آلة لغيرها، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ولا يوسع الكلام فيها.

273

والقرآن هو أصل التعليم وأول ما ينبغي تعليمه للولدان، ولأهل الأمصار الإسلامية اختلاف في طرق ذلك على ما قدمناه سابقا.

ويذكر ابن خلدون العلوم المعروفة في عصره علما علما، ويبين ما انتهى إليه الناس من أمر هذا العلم تبيينا لا مزيد عليه.

ثم يذكر أن التأليف في هذه العلوم قد كثر كثرة أضرت بالطلاب؛ بحيث أصبح تعلم العلم والوقوف على غايته أمرا عسيرا لاختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدد طرقه بشكل يجعل عمر المتعلم أقصر من أن يفي بما كتب في صناعة واحدة،

274

ثم ينحي باللائمة أيضا على قوم من المتأخرين ذهبوا إلى اختصار بحوث العلم اختصارا مخلا، يحشون ذلك في متن مختصر يشتمل على حصر مسائل العلم وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة، كما فعل ابن مالك في النحو وابن الحاجب في الفقه،

275

ثم يذكر أن أنجع الطرق في رأيه هي: أن يكون التعليم بالتدريج شيئا فشيئا، يلقى على الطالب أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي في آخر العلم؛ وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم العلم وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك المرتبة إلى أعلى منها ويستوحي الشرح بالبيان.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٨٤