تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

266

ويرون وجوب السير في التعليم من المحسوسات إلى النظريات؛ لأن النظر في مبادئ الأمور المحسوسة يروض بها عقله، ويقوى على النظر في مبادئ الأمور المعقولة، ويرون أيضا أن تشمل مناهج التربية العالية: مباحث علم النفوس، والعقل والمعقول، والحاس والمحسوس، والعلة والمعلول، والنظر في أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية، والرياضيات وما إليها ... على أن العناية يجب أن تكون في العلوم الإلهية.

وهم يرون أيضا أن قبول الصبيان تعلم الصنائع يختلف بحسب اختلاف طبائعهم المختلفة، واختلاف طبائعهم بحسب مواليدهم، ويرون أن صناعات الآباء أنجع في الأولاد من صناعات الأغراب.

وهم يرون أيضا أن اختلاف أخلاق الناس وطبائعهم سببه أربعة أشياء: (1) أخلاط أجسادهم ومزاج أخلاطها. (2) تربة بلدانهم واختلاف أهويتها. (3) نشوؤهم على ديانات آبائهم ومعلميهم. (4) موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم. والأسباب الثلاثة معقولة أقرها العلم، أما السبب الرابع فخرافة لا أصل له.

وهم يرون أيضا وجوب التواضع والخضوع التام لمن يتعلم المرء منه، والتعظيم له ومعرفة حقه، ووجوب الشفقة والرفق الكامل بمن يعلمه، وقلة الضجر من إبطاء فهمه، وقلة الطمع في أخذ ماله، وقلة المنة عليه.

ويرون أيضا أن الطالب محتاج إلى سبع خصال: (1) السؤال والصمت. (2) الاستماع. (3) التفكر. (4) العمل. (5) طلب الصدق من نفسه. (6) كثرة الذكر أنه إنه من نعم الله. (7) ترك الإعجاب بما يحسن.

هذه هي القواعد والأصول التي يرى الفلاسفة الإخوان وجوب أخذ طالب العلم نفسه بها، كما يرون أن من اتصف بها بلغ الكمال في العلم الدنيوي، وبلغ الهناء والاستقرار في العرفان الديني. (5-6) كتب الفيلسوف الشيخ الرئيس

أورد الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا (370-438) في أكثر كتبه الباقية بالعربية والفارسية بعض آرائه المتعلقة بتأديب الأطفال وتربية الصبيان، ولكن رسالته المسماة «كتاب السياسة»

267

قد جمعت معلومات جد مفيدة؛ فقد ابتدأها بوجوب اختيار المرضعة للوليد، ثم إذا فطم الوليد عن الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن يهجم على الأخلاق اللئيمة، فإن الصبي تبادر إليه مساوئ الأخلاق فما تمكن منه من ذلك غلب عليه، فلم يستطع له مفارقة ... فإذا اشتدت مفاصل الصبي واستوى لسانه وتهيأ للتلقين ووعى سمعه أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء، ولقن معالم الدين ... ثم يروي الصبي الرجز ثم القصيد.

ويرى ابن سينا أن يتعلم الطفل في الكتاب لا في البيت «لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما ... ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس ... وأدعى إلى التعلم والتخرج؛ فإنه يباهي الصبيان مرة، ويغبطهم مرة، ويأنف عن القصور عن شأوهم مرة، ثم إنهم يترافقون ويتعاوضون الزيارة، ويتكارمون ويتعاوضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة والمحاكاة، وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهممهم.»

ويشترط ابن سينا في معلم الأطفال أن يكون «عاقلا ذا دين بصيرا برياضة الأخلاق حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا، رزينا، بعيدا عن الخفة والسخف، قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي.»

ومن الأمور الطريفة في رسالة ابن سينا أنه يوصي المربي بوجوب مسايرته للصبي ليتعرف مواهبه، فإذا عرفها أحسن توجيهها، وهذه من أحسن نظريات التربية وأحدثها اليوم، يقول: «ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه، وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة، إذن ما كان أحد غفلا من الأدب، وعاريا من صناعته، وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الصناعات ... وينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته، ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعة بحسب ذلك ...» وأغلب ظني أن ابن سينا قد استفاد كثيرا من آرائه في هذه الرسالة من رسالة الفيلسوف المربي الروماني «كونتليان» الذي عاش حوالي سنة (35-95م)، فقد أورد هذا في كتابه «تربية الخطيب» آراءه في تربية الطفل وتهذيبه على النمط الذي أورده ابن سينا في «رسالة كتاب السياسة». وكتاب كونتليان يعتبر أول كتاب تربوي تصدى فيه صاحبه لمباحث تربوية عند الأطفال ومعالجة مشاكلها وأنظمتها، وقد ابتدأ رسالته بوجوب العناية بانتخاب المرضع من الصالحات الفصيحات حتى يقتبس الولد من كمالها وبيانها ما يشب عليه، فإذا شب وجب على مربيه أن يحفظه منتخبات من أقوال الحكماء والشعراء ... ويجب أن يرسل إلى المدرسة لأن تعليمها أفضل من تعليم البيت، وإن خبث الروح المدرسية والتهجم عليها إنما نشأ من انحلال أخلاق الأسر في العهد الإمبراطوري الروماني؛ فالأولاد في سنيهم الأولى يعتادون كثيرا من الشرور وفي المدرسة تظهر تلك الشرور، فهي لم تصبهم بها، وإنما هم نقلوها من البيت. وإن من حسنات التربية المدرسية وميزتها على التعليم المنفرد في البيت أنها تذكي العقل؛ فالعقول كالنيران تشعلها مخالطة الأقران، وكالمرايا وجلاؤها المعاشرة، وفي المدرسة يتهيأ ما لا يتهيأ في البيت، والمدرسة تتسع ميادينها لما يضيق عنه المنزل من استثمار كثير من الغرائز كالتقليد والمنافسة وحب الثناء، وصداقة المدرسة تبقى مدى الحياة عقدا مقدسا، ثم إن تربية المدرسة ضرورية لمن سيكون في النهاية خطيبا ...» إلخ، تلك الآراء التي نجدها أو نجد مثالها عند ابن سينا، ولا غرور في أنه قد اقتبس أصولها من لدن الفيلسوف المربي الروماني. (5-7) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الأندلسي

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٨٠