تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسالة وصية أخرى له:

ذكر هذه الوصية ياقوت، وهي مهمة جدا؛ لأنها تلخص آراء مسكويه في الأخلاق والتربية وما يجب على المربي أن يدعو الوليد إليه ويتعلمه ويتخلق به من الفضائل الخلقية والكمالات النفسية؛ فهو يدعو الطالب إلى أن يتحلى بالفضائل الأربع الكبرى، وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، ثم ينصحه أن يتحلى بفضائل، هي: إيثار الحق على الباطل في الاعتقاد، والصدق على الكذب في القول، والخير على الشر في الفعل، وكثرة الجهاد؛ ثم يوصيه ببعض الأخلاق العملية في الحياة كحفظ الوعد، وقلة الثقة بالناس، ومحبة الجمال، والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل، وترك الخوف من الموت والفقر، وترك الاكتراث لأقوال أهل الحسد، وحسن احتمال الغنى والفقر، والكرامة والهوان، وذكر المرض وقت الصحة، والهم عند السرور، والمرض عند الغضب.

وقد اهتم مسكويه بأمور الشريعة اهتماما لم ينصرف إليه ذهن من سبقه من المربين والفلاسفة في الإسلام؛ فلقد كانت «الأخلاق» مادة ثانوية في أبحاثهم الفلسفية، واهتموا خاصة بالطبيعيات كالكندي، وبالمنطق والإلهيات كالفارابي، وبالترجمة والنقل كيحيى بن عدي، والأخلاق تطغى على حدود ما خصص لها مسكويه من مؤلفات فتلقي ظلها على معظم كتبه، فترى ذلك واضحا في كتابه «تجارب الأمم»، فإن عرض هذا التاريخ عرض أخلاقي، وهو الاعتبار بحوادث التاريخ وأخذ العظات منها، وكذلك الحال في كتابه «أنس الفريد» المفقود، فإن غرضه فيه تقويم أخلاق الفرد عن طريق القصص والحكايات.

265 (ج)

كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق:

هو كتاب مشهور ومطبوع عدة مرات، ويحتوي على عدة مقالات في الأخلاق والتربية، وقد أفاد صاحبه من معلومات الفلاسفة الإغريق ودراساتهم في التربية والأخلاق إفادات عظيمة، واختار منها ما يلائم نفس الطفل المسلم، ومزج ذلك بالتراث العربي القديم. يقول: «فمن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى يتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه، ثم ينظر الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البراهين، ثم يتدرج في منازل العلوم؛ فهو السعيد الكامل ... ثم يذكر فصلا عن كيفية تأديب الأطفال وتهذيبهم، وقد نقل كثيرا مما فيه من كتاب بروسن الذي نقله عن فلوطرخس، مع بعض التحوير الذي يلائم البيئة العربية الإسلامية، ولكن مع هذا كله ظل الطابع الإغريقي واضحا على أقواله. وصفوة القول أن مسكويه في نصائحه الأخلاقية ومباحثه التربوية والنفسية متأثر إلى حد بعيد جدا بالتراث اليوناني، أما الآثار الشرقية من عربية وإسلامية وغيرها فقليلة، وللدكتور عبد العزيز عزت بحث مطول ختم فيه كتابه عن مسكويه، وذكر فيه مصادر مسكويه الفلسفية بدقة، فليرجع إليه. (5-5) رسائل إخوان الصفاء

أشرنا في الباب الثالث إلى شيء من آراء إخوان الصفاء في تصنيف العلوم. ونحب هنا أن نبين أن هؤلاء الإخوان كانوا جماعة من الفلاسفة الباطنيين الذين مزجوا الدين بالفلسفة القديمة، وأرادوا تأييد الحركات الباطنية في الإسلام، كما أرادوا تشجيع الحركة الإسماعيلية عن طريق الفلسفة. وقد دونوا في رسائلهم الاثنتين والخمسين ما كان معروفا في عصرهم من العلوم والفنون، وصنفوا ذلك إلى أقسام أربعة:

الأول:

في الرياضة والصناعات والمنطق.

الثاني:

في علوم الطبيعة وما إليها.

الثالث:

في بحوث النفس والحياة والموت واللذة والألم، وفي اللغات والنشوء والارتقاء، وفي السمعيات كالبعث والقيامة.

الرابع:

في الإلهيات وما يتصل بها من مباحث الديانات والشرائع والتصوف.

والذي يهمنا هنا هو رأيهم في الشريعة والتعليم؛ فهم يرون أنه يجب أن تكون الغاية من التعليم دينية لا غير، ولكنهم يعترفون بأن للتعلم فوائد اجتماعية ومادية، وأن العلم «يكسب صاحبه الشرف وإن كان دنيئا، والعز وإن كان مهينا، والغنى وإن كان فقيرا، والقوة وإن كان ضعيفا، والنبل وإن كان حقيرا.»

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٧٩