تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد صدر القابسي كتابه بفصل ذكر فيه تفسير «الإيمان» و«الإسلام» و«الإحسان» و«الاستقامة»، وكيفية الصلاح، ثم ذكر فصولا عناوينها كما يلي: (1)

ما جاء في فضائل القرآن، وما لمن تعلمه وعلمه، وآداب حامله ... ومن يعلم الإناث. (2)

ما يأخذه المعلمون على المتعلمين، وما يصلح أن يعلم للصبيان مع القرآن وما لا يصلح، وهل يعلم المسلم النصراني، والنصراني المسلم. (3)

سياسة معلم الصبيان وقيامه عليهم وعدله فيهم ... وكيف يرتب لهم أوقاتهم لدرسهم وكتابتهم، وأوقات بطالتهم، وحد أدبه إياهم، والمكان الذي يعلمهم فيه ... وهل يشترك معلمان أو أكثر. (4)

الأحكام بين المعلمين والصبيان. (5)

خاتمة في معنى الحديث القائل: نزل القرآن على سبعة أحرف.

وقد أطال القابسي في تبيين فصول الكتاب وبيان دقائق المشاكل التربوية التي عرض لها، وهو وإن استعان بكثير من أقوال ابن سحنون، فإنه قد وسع الموضوع ونقل كثيرا من المعلومات عن شيوخه وأساتذة عصره والعصور التي سبقته مما لا نجده في كتاب ابن سحنون. يقول الدكتور الأهواني: إن ما نقله القابسي عن كتاب ابن سحنون يكاد يكون بلفظه في بعض المواضع، وباختلاف يسير في مواضع أخرى كحذف السند عن رأي فقيه، أو تغيير في العبارة دون إخلال بالمعنى. على أن القابسي لم يكتف بما أخذه عن كتاب «آداب المعلمين»، بل نقل عن الفقهاء الذين أخذ عنهم سحنون وابنه، كابن القاسم وابن وهب وغيرهما. فإذا كان لابن سحنون فضل الصدارة في تحرير كتاب خاص في تعليم الصبيان، فللقابسي مزية التوسع في هذا الموضوع والإفاضة في أبوابه المختلفة، والترتيب الذي يدل على استقرار فكرة التعليم في الذهن، والعمل على بيان السبل المختلفة المؤدية إلى تحقيق الغاية المنشودة؛ فالقابسي يسجل في كتابه أحوال تعليم الصبيان في القرن الرابع، وابن سحنون يدون هذه الأحوال في القرن الثالث.

262

ومهما يكن من أمر فإن كتاب القابسي قد بحث لنا كثيرا من أمور التعليم العربي في عصور الإسلام الأولى، وكشف لنا عن الجهد القوي الذي كان المسلمون يبذلونه لتحقيق فكرة محو الأمية من صفوف الأمة المسلمة، والدعوة إلى نشر الدين والكتاب الكريم عن طريق نشر الكتابة وتعميم التعليم.

ولقد كان للمربين المسلمين - على اختلاف أمصارهم وأعصارهم وأجناسهم - أثر كبير واضح في تعميم التعليم، وتقوية أركان الثقافة في الدولة الإسلامية. وكتاب القابسي صورة مصغرة تبين لنا أهمية ذلك الأثر وعمق مداه. (5-4) كتب الفيلسوف المؤرخ مسكويه

كان الفيلسوف المؤرخ أحمد بن محمد بن يعقوب المعروف بمسكويه (325-421) من أفاضل رجال عصره بارعا بعلوم الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية، واتصل ببني بويه اتصالا قويا حتى إن عضد الدولة جعله خازن كتبه، ونديما له، ورسولا عنه، وكاتما لأسراره، كما اتصل بأولاد عضد الدولة بعده فأكرموه وعظموه. وكانت بينه وبين ابن سينا وأبي حيان التوحيدي وبديع الزمان الهمذاني مساجلات ومناقشات. وقد خلف في الخزانة العربية كتبا جليلة في التربية والفلسفة فضلا عن كتبه في التاريخ والطب والأدب والعربية والفارسية،

263

ومن تلك الكتب التربوية التي خلفها لنا هذه الكتب الثلاثة: (أ)

رسالة وصيته لطالب الحكمة:

264

وهي وصية جد ثمينة نصح فيها طالب الحكمة والمعرفة، وهي من أنفس ما في الخزانة العربية من رسائل التربية والتوجيه والتعليم؛ فقد بدأها بإسداء النصائح التربوية والنفسية الواجب على طالب الحكمة أن يسلكها، وإليك بيان ذلك:

أوصى مسكويه طالب الحكمة بأن يطهر قلبه ويقضي على المشاعر الوضيعة في النفس حتى تصفو وتذهب عنها الشهوات كالحقد والحسد، ثم يقول: «وقد رأينا من أراد الغرس في أرض يبدأ فيقتلع ما فيها من غرائب النبت، ثم يأتي بكرائم الغرس فينصبه فيها، وكذلك من طلب الحكمة ورغب في اقتنائها فهو حقيق أن يبدأ بما في قلبه من أضدادها فيمحقها ويطهره منها.» ثم يدعوه أن يجمع سائر قواه العقلية ويركزها في تفهم أمر أنواع الموجودات المختلفة في هدوء وسكينة؛ فإن الحكمة وما تتطلبه من نظر وتدبر هي أم الفضائل التي ترفع من قدر الناس، وهي ضرورية لسائر الناس خيرهم وشرهم؛ «لأن من فقد الحكمة من أهل الخصال الحسنة ضاعت خصاله، ومن فقدها من غيرهم هلك كل الهلاك.» فالحكمة وسيلة لإصلاح النفس، ومن عجز عن إصلاح نفسه بجميع الوصايا الحكمية فليأمر غيره بها. وفي آخر هذه الوصية يسمي إطالة نظر العقل فيما حصله «ذهنا»، ويقول: إن الذهن لا ينام ولا يسكن ولا يحتاج إلى تذكير، وهذه الدرجة العقلية هي الدرجة العليا، وبها يشبه الإنسان الملائكة والأرواح الطاهرة. (ب)

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٧٨