تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكرنا في الباب الثاني شيئا من المواد التي كان الأطفال والشبان يتعلمونها في الكتاتيب ومعاهد الدراسة الأخرى، ونبين في هذا الباب رأي الفلاسفة والمربين المسلمين في تصنيف العلوم.

ولعل أقدم مؤلف عربي تعرض للبحث في هذا الأمر هو المعلم الثاني الفيلسوف أبو نصر الفارابي

249

محمد بن محمد بن أوزلغ (؟-339)، فقد ألف رسالة من هذا البحث سماها «مراتب العلم» أو «إحصاء العلوم»، وقد شاعت هذه الرسالة بين الفلاسفة والمربين؛ فاعتمدها بعده كل من أراد البحث في تصنيف العلوم وتبويبها.

أما الطريقة التي تبعها الفارابي في تصنيفه فقد بينها في مقدمة رسالته فقال:

قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علما علما، ونعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجمل ما في كل واحد من أجزائه، ونجمله في خمسة فصول:

الأول:

في علم اللسان وأجزائه.

والثاني:

في علم المنطق وأجزائه.

والثالث:

في علوم التعليم، وهي العدد والهندسة، وعلم المناظر، وعلم النجوم التعليمي، وعلم الموسيقى، وعلم الأثقال، وعلم الحيل.

والرابع:

في العلم الطبيعي وأجزائه، وفي العلم الإلهي وأجزائه.

والخامس:

في العلم المدني وأجزائه، وفي علم الفقه وعلم الكلام.

250

وغرضه من هذا الكتاب هو أن يبين لمن «أراد أن يتعلم علما من هذه العلوم وينظر فيه، علم على ماذا يقدم وفي ماذا ينظر، وأي شيء سيفيد نظره، وما غناء ذلك، وأي فضيلة تنال به، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة، لا على عمى وغرر، وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقيس بين العلوم، فيعلم أيها الأفضل، وأيها الأنفع، وأيها أتقن وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأوهى وأضعف، وينتفع به في تكشف من ادعى البصر بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك ... ويتبين أيضا فيمن يحسن علما منها هل يحسن جميعه أو بعض أجزائه ... وينتفع به المتأدب المتفنن الذي قصده أن يشدو جمل ما في كل علم.»

251

والفارابي في هذه المقدمة لم يبين لنا الطريقة التي اتبعها في تصنيف هذه العلوم كما نجده عند من جاءوا بعده من الفلاسفة والمربين، مثل ابن سينا (؟-459) في «الشفاء» الذي أحصى فيه العلوم وفصل الكلام عليها، ومثل جماعة إخوان الصفا الذين كانوا في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع في رسائلهم الاثنتين والخمسين التي ذكروا فيها العلوم وقسموها إلى أقسام أربعة: رياضية، وطبيعية، ونفسانية، وإلهية؛ ومثل ابن حزم الظاهري في كتابه «مراتب العلوم وكيفية طلبها»، ومثل الفخر الرازي (؟-606) في كتابه «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» الذي أحصى فيه العلوم الإنسانية وأبلغها إلى نحو ستين علما.

وقد عمد الفارابي في كتابه إلى سرد العلوم على ترتيب ارتآه متوخيا اتباع الطريقة الطبيعية أو المنطقية في إحصاء العلوم؛ فقد قدم «علم اللسان» وما يتبعه من لغة ونحو وصرف وغيرها لأن هذا العلم هو العلم الذي تستقيم به العبارات وتصحيح الألفاظ فلا بد من تقديمه، ثم أتبعه بعلم المنطق لأنه العلم الذي يعطي جملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب.

252

وكما أن علم اللسان يقوم اللسان، فكذلك علم المنطق يقوم العقل، وهذان العلمان ضروريان لكل من يريد أن يشدو علما من العلوم، وهما في الحقيقة ليسا علمين مقصودين وإنما هما آلتان تخدمان العلوم.

أما العلوم الحقيقية فهي نوعان:

علوم نظرية:

وهي علم التعاليم وعلم الطبيعة، وعلم ما بعد الطبيعة «الإلهي».

وعلوم عملية:

وهي العلم المدني، وعلم الفقه، وعلم الكلام.

أما «علم اللسان» فهو سبعة أقسام:

علم الألفاظ المفردة في لغة أمة ما من أصيل ودخيل.

علم قوانين الألفاظ المفردة من معاني الألفاظ واشتقاقها وصرفها ونحو ذلك.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٧٣