تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

231

فلا شك في أن العالمين الشاعرين الأديبين المعلمين كانا يدونان ما يسمعان من رؤبة ومن غيره ما يستجيدان من الشعر والغريب وأخبار العرب. ويروي الإمام الراوية الثقة أنه رأى الطرماح بسواد الكوفة وهو يكتب ألفاظ النبيط ويتعلمها ويعربها ويدخلها في شعره،

232

وأغلب ظننا أنه كان ينتقي الألفاظ الفنية والعلمية فيعربها ويدخلها في شعره، وقد كان الطرماح وزميله الكميت شاعرين فحلين من فحول شعراء الإسلام وأجودهم معاني وأحسنهم صورا، ولم يكن هذان الشاعران وحدهما اللذين دونا شعرهما في العصر الأموي؛ فقد روي أن الفرزدق كان يدون شعره وقد كان له أربعة رواة يكتبون شعره عنه ويدونونه ويذيعونه عنه،

233

وكذلك كان جرير يدون شعره، بل يروي صاحب الأغاني أن بعض موالي بني كليب بن يربوع - وكان بائعا للرطب في البصرة - يدون شعره، قال: كنت أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويه، فجاءني جرير ليلة فقال إن راعي الإبل النميري قد هجاني وإني آتيك الليلة فأعد لي شواء وفراشا ونبيذا محشفا، فأعددت له ذلك، فلما أعتم جاءني فقال: هلم عشاءك. فأتيته به فأكل ثم قال: هلم نبيذك. فأتيته به فشرب أقداحا ثم قال : هات دواة وكتفا. فأتيته بهما فجعل يملي علي قوله:

أقلي اللوم عاذل والعتابا

وقولي إن أصبت لقد أصابا

234

ويروي أبو الفرج أن رجلا من الأنصار لاحق عدي بن الرقاع العاملي (؟-95) معاصر جرير وشاعر الوليد بن عبد الملك وقال له: اكتب لي شيئا من شعرك. فقال عدي: ومن أي العرب أنت؟ قال: أنا رجل من الأنصار. قال: ومن منكم القائل:

إن الحمام إلى الحجاز يهيج لي

طربا ترنمه إذا يترنم

فقيل له: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. فقال: عليك بصاحبكم فاكتب شعره فلست تحتاج معه إلى غيره.

235

ويروي المرزباني أن ذا الرمة (؟-117) كان يكتب وأن عيسى بن عمر قال: قال لي ذو الرمة: أنت والله أعجب إلي من هؤلاء الأعراب؛ أنت تكتب وتؤدي ما تسمع، وهؤلاء يهون على أحدهم وقد نحته من جبل أن يجيء به على غير وجهه. قال قلت: إني لم أصل منك بشيء. قال: كنت مشغولا، عد إلي. فعدت إليه فتعاييت في شيء فتهجاه لي فقلت: أراك تكتب يا أبا الحارث. قال: إياك أن يعلم هذا أحد، تعلمت الخط من رجل كان عندنا بالجفر، فكان يجلس إلي من العتمة إلى أن ينكفت السامر يخط لي في تراب البطحاء. وقال شعبة بن الحجاج (؟-160): لقيت ذا الرمة فقلت أكتبني شعرك، فجعل يملي علي ويطلع في الكتاب فيقول: ارفع اللام من السين وشق الصاد، ولا تعور الكاف، فقلت من أين لك الكتاب؟ قال: قدم علينا رجل من الحيرة فكان يؤدب أولادنا فكنت آخذ بيده فأدخله الرمل فيعلمني الكتاب، وأنا أفعل ذلك لئلا تقول علي ما لم أقل.

236

ولم يكن الشعراء وحدهم هم الذين يدونون؛ فقد دون كثيرون في العصر الأموي خطب الخطباء وأقوال الحكماء كخطب الحجاج وزياد وغيرهما،

237

وكان للخلفاء الأمويين كالوليد بن عبد الملك والوليد بن يزيد خزائن فيها كثير من الدفاتر والكتب التي سجلت فيها كتب العلم والأدب والشعر،

238

ويحدثنا صاحب الأغاني أن عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي (؟-حوالي سنة 100ه) قد اتخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ودفاتر فيها من كل علم، وجعل من الجدار أوتادا، فمن جاءه علق ثيابه على وتد منها ثم جر دفترا فقرأه أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم، وأن الأحوص الشاعر (؟-105) قد زار هذا البيت بدعوة من صاحبه عبد الحكيم.

239

ولم يقتصر التدوين على الشعر والأخبار كما أسلفنا، بل يظهر أن جماعة من العلماء ألفوا بعض المصنفات الأدبية؛ فهذا صحار بن العباس العبدي ألف في عهد معاوية بن أبي سفيان كتابا جمع فيه أمثال العرب كما يذكر ذلك ابن النديم في الفهرست،

240

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٧١