تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

224

وقال مسلم بن مشكم: قال لي أبو الدرداء اعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم بأمره ألفا وستمائة ونيفا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ.

225

وهكذا كان الأمر في مساجد حلب وبيت المقدس والإسكندرية والفسطاط والبصرة والكوفة، وغيرها من العواصم الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، فإذا كان هذا عدد الكتاب في العصر الأموي والراشدي، كان من الطبيعي جدا أن يكون لهذا العدد العديد من المتعلمين مدونات وكتب جمع فيها شيء من تعاليم الدين وحديث الرسول والآداب والعلوم الإسلامية، ولولا وجود هذه المدونات في زمن مبكر لما كره بعض المتزمتين أن يدون غير القرآن؛ خوفا من اختلاطه بالسنة أو غيرها من الأخبار، وحجة هؤلاء القوم قول الرسول

صلى الله عليه وسلم : «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه.» ومثل هذا قول زيد بن ثابت حين دخل على معاوية وسأله عن شيء من حديث رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ثم أمر كاتبا له أن يكتبه، فنهاه زيد وقال: إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، فمحاه.

226

ولما رأى أبو سعيد الخدري جماعة من تلاميذه يكتبون الحديث عنه نهاهم عن ذلك وقال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم

صلى الله عليه وسلم

كان يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا كما نحفظ.

227

ولكن بعض هؤلاء المتزمتين أباحوا كتابة القرآن حين وقع الاطمئنان في نفوسهم من أن شيئا من ذلك الذي تخوفوه لن يكون، فأجازوا كتابة الحديث بعد أن كانوا يكرهونه لكيلا يختلط بالقرآن، أو لكيلا يعتمد العالم على الكتاب، بل على حفظه.

228

وقد احتج من أباح الكتابة ببعض الروايات التي رويت عن النبي وكبار الصحابة؛ فمن ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه

صلى الله عليه وسلم

أذن لأبي شاة اليمني أن يكتب عنه خطبة يوم فتح مكة.

229

وقال أبو هريرة: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أكثر مني حديثا إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كتب ولم أكتب.

وفي العهد الراشدي دونت بعض المدونات الشعرية أيضا؛ فقد روى أبو الفرج أن عمر بن الخطاب كتب إلى أميره على العراق وفاتح القادسية وباني الكوفة سعد بن أبي وقاص (؟-55): أما بعد، فاجمع من قبلك من الشعراء فسلهم ماذا فقدوا من شعرهم وما بقي منه. فجمعهم سعد فسألهم عن ذلك فكلهم زعم أنه أغزر ما كان شعرا وأقدر عليه إلا لبيد، فإنه حلف بالذي هداه للإسلام ما قدرت على أن أقول بيتا واحدا منذ أسلمت، فكتب بذلك إلى عمر.

230

ومثل ذلك ما ذكره أبو الفرج أيضا أن عبد الله بن الزبعري السهمي وضرار بن الخطاب الفهري طلبا من حسان بن ثابت أن يتناشدوا ما قيل من مناقضات بين الأنصار ومشركي قريش في صدر الإسلام، فأنشداه أشعار قريش من الأنصار، ثم ذهبا قبل أن يسمعا شعره في قريش، فغضب حسان وذهب إلى عمر بن الخطاب، فجمعهما بحسان وأمرهما أن يسمعا مناقضته لكفار قريش، فاستمعا إليه بمحضر عمر وكبار الصحابة، ثم إن عمر قال لمن حضره: إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئا دفعا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذا أبوا فاكتبوه واحتفظوا به . فدونوا ذلك عندهم، قال: فأدركته - أي ذلك السجل الذي دونوا فيه الأشعار - ومما دون في عهد عمر بن الخطاب غير هذه الكتب الأدبية دواوين أنساب القبائل العربية، التي أمر عمر بن الخطاب بتدوينها وتسجيل أسماء كل قبيلة وأفخاذها وأسماء من ولد كل منهم.

وما إن دخل النصف الثاني للقرن الهجري واستولى بنو أمية على الخلافة الإسلامية حتى كثر التدوين في الأدب والحديث؛ فقد روى لنا المبرد عن المعلمين الشاعرين المشهورين؛ الكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم، عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على إبان بن الوليد البجلي منتجعا له، فأتاني رجلان لا أعرفهما، فسألاني عن شيء ليس من لغتي فلم أعرفه، فتغامزا بي فتقبعت عليهما فهمدا، ثم كانا بعد ذلك يختلفان فيسمعان مني الشيء فيكتبانه ويدخلانه في أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لي هما الكميت والطرماح.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٧٠