تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

206

فهذه الروايات وكثير غيرها في كتب الأدب والتاريخ والفقه تدلنا على شدة اهتمام السلف بالارتحال في طلب العلم من بلد إلى آخر، وخصوصا فيما يتعلق بالسنة النبوية وجمعها، خوفا من الكذابين والوضاعين، والزنادقة المارقين.

قال ابن السمعاني في معرض حديثه عن تتبع الأسانيد: «وألفاظ رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لا بد لها من النقل، ولا تعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة عن الثقة والعدل عن العدل. وقد روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك حقا كنتم شركاء في الأجر، وإن يك باطلا كان وزره عليه. وقال ابن سيرين: كانوا في الدهر الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة ويدعوا حديث أهل البدعة. وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال عبدان: ذكر هذا عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث ...

207

وقد كانت للعلماء ولطلاب العلم في أخذ الحديث النبوي الشريف عن الشيوخ طرق عديدة:

منها: أن يملي الشيخ فيسمعه الطالب أو يكتبه في دفتره الخاص.

ومنها: أن يقرأ الطالب على الشيخ الحديث فيقره على ما يقرأ.

ومنها: أن يقرأ قارئ الحديث، والشيخ والطالب يسمعان منه.

ومنها: أن يعرض الطالب على الشيخ كتابا مكتوبا فيخبره الشيخ بروايته.

ومنها: أن يكتب الطالب إلى الشيخ كتابا من بلده يستجيزه رواية الحديث فيجيزه.

وأفضل هذه الطرق أن يملي الشيخ ويكتب الطالب، وأسوأها أن يعرض الطالب على الشيخ كتابا فيجيزه بروايته دون أن يقرأ عليه منه شيئا، وذهب بعض العلماء إلى عدم جواز هذه الإجازة؛ قال شعبة: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة.

208

وقد وجد في التابعين ومن بعدهم جماعات يعقدون المجلس للإملاء والاستملاء، وكان الناس يرحلون إليهم من أقصى ديار الإسلام، أمثال شعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وكانت هذه الحلقات العلمية تتسع بشكل عجيب، وربما بلغ عدد الطلاب الألوف؛ فيضطر الشيخ أن يستعين بالمبلغين عنه والمستملين منه ليبلغوا عنه. وقد وردت روايات عجيبة عن كثرة طلاب بعض الشيوخ الأجلاء؛ فقد ذكر ابن السمعاني أن طلاب مجلس يزيد بن هارون كانوا سبعين ألفا،

209

وأن المعتصم وجه من يحرز مجلس عاصم بن علي بن عاصم في رحبة النخل التي في جامع الرصافة، وكان عاصم بن علي يجلس على سطح المسقطات وينتشر الناس في الرحبة وما يليها فيعظم الناس جدا في سمعته، يقول يوما: «حدثنا الليث بن سعد.» ويستعاد قوله هذا، فأعاد أربع عشرة مرة، والناس لا يسمعون، قال: فكان هارون المستملي يركب نخلة معوجة ويستملي عليها، فبلغ المعتصم كثرة الجمع فأمر بحرزهم، فوجه بقطاعي الغنم فحرزوا المجلس عشرين ألفا ومائة ألف.

210

وقال صالح بن محمد البغدادي: كان محمد بن إسماعيل البخاري يجلس ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا، وربما تعدد المستملون حتى يبلغوا المئات، ولما ورد أبو بكر جعفر بن محمد الغريابي إلى بغداد استقبل بالطيارات والزبازب - وهما أنواع من السفن - ثم أوعد الناس له إلى شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه، فاجتمع الناس فحرز من حضر مجلسه لسماع الحديث فقيل نحو ثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر.

211

وروى القاضي أبو الحسن علي بن محمد البصري قال: كنا نجلس مجلس أبي إسحق إبراهيم بن علي الهجيمي للحديث، فكان يجلس على سطح أهله ويمتلئ شارع بلجهم بالناس الذين يحضرون للسماع، ويبلغ المستملون عن الهجيمي. قال البصري: وكنت أفوقه في السحر فأجد الناس قد سبقوني وأخذوا مواضعهم، وحسب الموضع الذي يجلس فيه الناس وكسر فوجد مقعد ثلاثين ألف رجل.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٦٦