تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

199

هذا ما يقوله الإمام الغزالي، وهو في رأينا تفسير صحيح لظهور علم المناظرة والخلاف والاختلاف بهما في الدولة العباسية منذ زمن المأمون إلى ما بعده، وبخاصة في القرن الرابع والخامس واهتمام الناس بهما هذا الاهتمام الشديد، بعد أن كان وجودهما في عصر النبي وخلفائه الراشدين والأمويين ظهورا غير واضح الأثر لقرب الناس من طراوة الإسلام وسذاجته، فلما أن تعقدت الحياة العامة واضطربت أحوالها تعقد تفكير الناس واضطربوا وأخذوا يفتشون عن علم الجدليات وعن علم المنطق والمناظرة والبحث وما إلى ذلك، ليظفروا بالغلبة على خصومهم، وتنتصر مبادئهم وعقائدهم. ومهما يكن من أمر المناظرة والجدل فإنهما قد تطورا تطورا عظيما في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وكان لهما تأثير في تطوير العلم الإسلامي بصورة عامة، وفي السير قدما بالفكر العربي.

وقد اشترط العلماء للمناظرة شروطا، وألفوا فيها عدة كتب جيدة مفيدة لا مجال للتحدث عنها أو البحث فيها ها هنا، وإنما نريد أن نشير إشارة عابرة إلى أهم الشروط التي اشترطها علماء المناظرة وأرباب الجدل في بحوثهم بما يلي: (1)

أن يكون غرض المتناظرين بحث العلم وإحياء الحق والهدف الثقافي البحت، لا الجدل الخالص وحب الانتصار على الخصم، وهكذا كان جدل الأئمة الكبار، والفقهاء والعلماء أمثال الشافعي، وإسحق بن راهويه، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي يوسف، وغيرهم من الجلة. (2)

وأن يكون المتناظران عالمين بارعين متسامحين غير حقودين ولا غيورين ولا مرائيين.

200

وهكذا كانت روح المناظرة في البيئات الإسلامية الأولى، ولكنها ما لبثت أن فسدت بعد حين أراد الناس من المناظرة مجرد الجدل وإقامة الحجج الشكلية لا البحث عن الحقيقة والكشف عن طرق الصواب في العلم والدين.

الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث

عني المسلمون عناية كبيرة بالرحلة في سبيل العلم من دين وأدب، وخصوصا حين تفرق الأئمة من العلماء والقراء في الأقطار الإسلامية النائية بعد أن اتسعت رقعة ديار الإسلام . قال عبد الله بن المبارك الإمام الرحالة المحدث الثقة (؟-181):

201

دوخت العلماء وعاينت الرجال بالشامات والعراقين والحجاز فلم أجد الأدب إلا مع ثلاثة؛ ابن عون غريزته الأدب، وعبد العزيز بن أبي رواد متكلف الأدب، ووهب المكي كأنه ولد مع أدب،

202

وكانوا يرحلون في طلب الأدب والحديث النبوي قبل تدوينهما في الكتب وبعد تدوينهما، لما في الرحلة من فوائد الاطلاع على أحوال الدنيا ومعرفة أوضاع الشعوب الإسلامية وغيرها وتقاليدها وتوسيع الثقافة العامة.

قال الذهبي: قال ابن إسحق سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض في طلب العلم، وروى أبو وهب عن مكحول أنه قال: عتقت بمصر فلم أدع بها علما إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بها علما إلا حويته، ثم أتيت الشام فغربلتها. ومكحول هذا هو عالم أهل الشام، وهو أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي مولاهم، وكان فقيها أديبا محدثا، كان مولى لامرأة من هذأيل، وأصله من أهل كابل، توفي سنة 113.

203

وقال الذهبي أيضا: قال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي (؟-131) كنا نطوف مع الزهري «محمد بن مسلم القرشي» (؟-124) على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما يسمع. وقال سعيد بن المسيب: إني كنت أسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.

204

وروى أبو صالح عن الليث بن سعد (؟-175): ما رأيت عالما أجمع من الزهري يحدث في الترغيب فنقول لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلنا لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كذلك.

205

وقال الذهبي أيضا: قال أبو الطيب الطبري: رحلت قاصدا إلى أبي بكر وهو حي فمات قبل أن ألقاه. قال حمزة: وسمعته يقول: لما ورد نعي محمد بن أيوب الرازي بكيت وصرخت ومزقت القميص ووضعت التراب على رأسي، فاجتمع أهلي علي وقالوا ما أخبارك؟ قلت: نعي إلي محمد بن أيوب ومنعتموني الارتحال إليه. قال فسلوني وأذنوا لي في الخروج وأصحبوني خالي إلى الحسين بن سفيان، ولم يكن ها هنا شعرة، وأشار إلى وجهه، وأبو بكر هذا هو أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الذي قال عنه الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء، مات سنة 371.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٦٥