تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

212

وبعد أن يورد ابن السمعاني هذه الأخبار يعلق عليها بقوله: فرحم الله السلف الماضين، كان العلم مطلوبا في زمانهم، والرغبات متوافرة، والجموع متكاثرة ؛ فالآن خمدت ناره، وقل شراره، وكسد سوقه حتى سمعت أبا حفص عمر بن طفر المغازلي ببغداد يقول: فرغنا من إملاء الشيخ أبي الفضل بن يوسف نكتب فيها أسماء من حضر فما وجدنا.

213

وكما اشترط العلماء للفتيا والمناظرة شروطا، كذلك اشترطوا للإملاء والاستملاء شروطا أحصاها الإمام السمعاني وابن الصلاح العراقي ومن بعدهما من مؤلفي علوم مصطلح الحديث، وها نحن أولاء نوردها موجزة فيما يلي:

ينبغي للمحدث قبل بدايته بالإملاء أن يصلح هيئته، وأن يكون على أكمل هيئة وأفضل زينة اقتداء بالنبي

صلى الله عليه وسلم ؛ فقد روي أنه كان له ثوبان ينسجان في بني النجار، فكان يقول عجلوا بهما علينا نتجمل بهما في الناس. وكان عمر بن الخطاب يقول: إنه ليعجبني أن أرى القارئ النظيف. وكان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب ولبس أحسن ثيابه.

214

فإذا خرج من بيته إلى المجلس فليقصد في مشيه وليسلم على الناس، فإذا وصل إلى المجلس ابتدأ بإملائه، فإذا أتم المجلس عمد الطلاب معا - أو الطلاب والشيخ - إلى معارضة ما كتبوا وإصلاح ما قد يكون وقع من الخطأ أو زاغ عنه القلم.

هذه هي آداب الشيخ المحدث. أما آداب الطالب فنوجزها بما يلي:

ينبغي لطالب العلم أن يبكر إلى مجلس الاستملاء لئلا يفوته شيء فيتعذر عليه تلافيه، وخصوصا إذا كان الشيخ ممن يكرهون إعادة الحديث، كما روي عن سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون والأعمش؛ فقد روي أن رجلا جاء الأعمش فرآه قد أتم درسه فقال له: يا أبا محمد، اكتريت حمارا بنصف درهم وأتيت لأسألك عن حديث كذا وكذا. فقال له: اكتر بالنصف الثاني وارجع.

215

وينبغي أن يحرص على القرب من مجلس الشيخ إذا كان المجلس كثير الطلاب لئلا تفوته بعض الفوائد.

وينبغي عليه إذا حضر وغيره من الطلبة إلى دار الشيخ أو مجلسه وأذن لهم بالدخول أن يدخلوا مقدمين أسنهم وأفضلهم، فإذا دخلوا سلموا، ويجلس الواحد منهم حيث ينتهي به المجلس ولا يتخطى الرقاب، فإن استدناه الشيخ تقدم، وإن أكرمه بمخدة أو غيرها فلا يردها، ولا يقم أحد من مكانه، ولا يجلس وسط الحلقة ولا في صدر المجلس، ولا بين اثنين، ويجلس على ركبتيه ويبالغ في تعظيم أستاذه ويكنيه ولا يسميه، ويقوم له ويقبل يده.

وينبغي أن يكون حسن الاستماع والكتابة، وإذا شرع فيها كتب بالحبر دون المداد؛ لأن السواد أصبغ الألوان وأبقاها، ويحضر أدوات الكتابة من ورق ومحبرة وأقلام ومقلمة وسكين. وتكره الكتابة على ما ليس طاهرا نظيفا، وتجوز على الجلد والخزف والألواح. ويحسن خطه، ويتقن كتابته.

هذه هي آداب الطالب. أما آداب المستملي فنوجزها بما يلي: ينبغي أن يكون فصيحا جهوري الصوت واضح البيان حسن العبارة، يستطيع أن يبلغ كلام الشيخ إلى البعيد عنه بأمانة وفصاحة وصوت مسموع، كما ينبغي أن لا يكون بليدا مغفلا، كما يحكى عن بعض المستملين، ومنهم مستملي يزيد بن هارون؛ فإنه قال يوما: «حدثنا به عدة.» فصاح المستملي: «يا أبا خالد، عدة ابن من؟» فقال يزيد: «عدة ابن فقدتك.» وينبغي أن لا يكون ثقيل الظل، ولا متحذلقا، ولا ثرثارا، وأن يقعد على مكان عال مرتفع، فإن لم يجده وقف ...

وقد كره بعض القدماء هذه الوظيفة وربما هاجموا صاحبها، وكان شعبة يقول: لا يستملى إلا سفلة أو نذل. وقال ابن عيينة: إن لكل قوم غوغاء، وغوغاء المحدثين المسمعون.

216

ومما اشترطوه أيضا في المستملي أن يكون ممن عرف الحديث وأنس به، وإذا كثر الزحام كثر المستملون. ولما حدث أبو مسلم الكجي في رحبة غسان كان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه، وكتب الناس عنه قياما بأيديهم المحابر.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٦٧