وألا يفتي وهو في حال غير طبيعية من مرض أو تعب أو إرهاق وما إلى ذلك. (4)
وألا يأخذ أجرا على فتواه، ولو أخذ شيئا مقابل ذلك كان أخذه مباحا. (5)
وأن يكون ملما باصطلاحات إقليم المستفتي وتعبيرات بلده ولهجة إقليمه إذا كان من العوام لئلا يقع في خطأ. (6)
وأن يكون الجواب على الاستفتاء واضحا لا لبس فيه ولا إغراب في ألفاظه، وخصوصا إذا كان المستفتي أميا أو عاميا. (7)
وأن يرتب الفتوى ترتيبا منطقيا إذا كان فيها عدة قضايا؛ بحيث لا يضطرب المستفتي أو القارئ حين يقرؤها. (8)
وأن يكون دقيقا في فهم القضية، سواء في ذلك القضية الصعبة أو القضية السهلة. وكان محمد بن الحسن الشيباني - صاحب الإمام أبي حنيفة - يفعل ذلك، وإن كان في القضية المستفتى عنها كلمة غريبة أو مشتبهة سأل عنها ونقطها وضبطها، وإن وجد في القضية لحنا فاحشا أو خطأ يحيل المعنى طلب إصلاحه أو أصلحه لتستقيم القضية، وإن رأى في أثناء سطر من سطورها بياضا خط عليه أو شغله؛ لأنه ربما قصد المستفتي إيذاء المفتي بإضافة بعض الألفاظ التي تفسد الفتوى أو تحيل معناها.
197 (9)
وأن يكتب الجواب بخط واضح وسط لا دقيق ولا غليظ، واستحب بعضهم ألا تختلف أقلامه وخطوطه في فتاويه خوفا من التزوير، ولئلا يشتبه خطه. (10)
وأن يكتب اسمه في آخرها ويختم بعده، قال الصيمري: وليختمها بقوله «والله أعلم» أو «بالله التوفيق»، ويكتب بعده «كتبه أو قاله فلان بن فلان الفلاني»، فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو صنعة أو غير ذلك، ثم يذكر مذهبه، فإن كان مشهورا بالاسم فلا بأس بالاقتصار عليه. (11)
وأن يكون الجواب ملصقا في آخر الاستفتاء، ولا يدع فرجة لئلا يزيد السائل شيئا يفسدها، وإن ضاق موضوع الجواب فلا يكتبه في ورقة أخرى على ظهرها، وأن يكتب فتواه بالحبر دون المداد خوفا من الحك والتزوير؛ لأن الحبر أبقى وأثبت.
198
المناظرة
المناظرة نوع من أنواع البحث العلمي، وقد عرفها العرب في أسواقهم الأدبية قبل الإسلام وبعده، وقد شجع الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم
هذا النوع من البحث العلمي المفيد، ومضى العلماء والفضلاء من صحابته على التباحث والتناظر في قضايا العلم والأدب والنسب لتتجلى الحقيقة، وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من أحاديث المناظرات، سواء في القصص الديني الذي رواه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عن أهل الأديان السابقة مع خصومهم، أو في مناظرة كفار قريش ومجادلتهم في عباداتهم. وكان الغالب على المناظرات قبل الإسلام وفي أيام الرسول والخلفاء الراشدين روح التساهل والبساطة وتحكيم المنطق العقلي السليم، فلما دخلت الحضارات الأجنبية في البيئة العربية وتغلغلت في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي وما بعده، وتعمقت جذور الفلسفة والحكمة القديمة، وامتزجت الثقافات القديمة بالثقافة العربية الإسلامية؛ ظهرت روح المنطق والفلسفة والمجادلة في تلك المناظرات، وخصوصا حين نجم الزنادقة والملاحدة وأرباب الأهواء والفرق في الإسلام وأرادوا نشر مبادئهم، فزخرفوها للناس وأخذوا يحبذون إليهم الدخول فيها، ويجذبون قلوب الشبان والعامة إليها، فكان طبيعيا أن ينبري لهم المسلمون الغير ويجادلوهم في تلك الأمور، ويناظروهم فيما يدعون لتزييف معتقداتهم وآرائهم، وقد كان لظهور فرقتي «الجبرية» و«المعتزلة» أثر كبير جدا في تطوير أمر المناظرة وآدابها وتكون أسسها وأنظمتها. قال الإمام أبو حامد الغزالي: ... نبغت طائفة المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب منه، وأقبلوا على من اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب عن الدين والنضال عن السنة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من الحرام. ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة، فأعرض عن المتكلمين وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر، وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما - خاصة، فترك الناس الكلام وانثالوا على المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصة، وزعموا أنهم إنما فعلوا ذلك لله تعالى وغرضهم استنباط دقائق الشرع وبيان مآخذ الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا طرق المجادلات، وأعرضوا عن الخلاف مع مالك وأحمد بن حنبل وسفيان، مع أنهم كانوا يخالفونهم في جملة الأحاديث والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح لهم في مآخذ الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل الصدور للتوصل إلى الصلات والولايات؛ فلم يشتغلوا إلا بما يروح عندهم ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهما لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ومناقضاتهم ... فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدره الله تعالى فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرة لا غير ... وقلما تجد رجلا يتعلم الخلاف خوفا من أن يقال له يوم القيامة لم تتعلم الخلاف، وما من أحد إلا ويخاف يوم القيامة؛ لم لم تخلص في علمك وعملك، ولم راءيت الناس بطاعتك يا فاجر ويا غاوي ويا فاسق ويا مرائي، كما ورد في الخبر أن المرائي ينادى بهذه الألقاب، ومع ذلك لا يتعلم علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، وما يجري هذا المجرى من صفات القلب ...