وكان من تقاليد المفتين إذا سألهم السائلون واستفتاهم المستفتون أن يتورعوا عن الفتيا، على الرغم من تبحرهم في العلم والأعراف والتقاليد، لما جاء به عن الرسول من وجوب تحري الحقيقة تحريا شديدا، والتنقيب عنها بدقة فائقة، كما كانوا كثيرا ما يحيلون المستفتي إلى من يرونه أفضل منهم وأعلم وأزكى. قال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (؟-148):
192
أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. وقال البراء بن عازب (؟-71): لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا.
193
وقد ظل القوم في صدر الإسلام وفي طول عهد الصحابة وأوائل عهد التابعين يتورعون عن الفتيا والإسراع فيها إلا بقدر الضرورات لما كانوا يخشون من الوقوع في الأخطاء، قال أبو حصين التابعي يعتب على التابعين إسراعهم في الفتيا: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. وروي عن معاوية أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
نهى عن الأغلوطات؛ وهي القضايا التي لم تقع، أو التي لا يمكن أن تقع وإنما يخترعها المفيهقون من الناس ليتعاملوا أو ليوقعوا غيرهم في الأخطاء، وقد نهى الإسلام عن أمثال هذه لما فيها من فساد العلم والدين، وإنه لمن الطبيعي أن لا يتقدم للفتوى إلا من استكمل شرائطها.
وأول تلك الشروط: المعرفة والفطنة والتحري. وقد اشترط المتأخرون في المفتي شروطا لا شك في أن القدماء اعتبروها كلها لما في ذلك من التحري؛ قال العلموي: شرط في المفتي كونه مسلما، مكلفا، عدلا، ثقة، مأمونا، متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، قوي الضبط متيقظا، سواء فيه الحر والعبد والمرأة والأعمى.
194
وقد قسموا المفتي إلى قسمين:
مفت مستقل.
ومفت غير مستقل.
فالمستقل هو المجتهد الذي يكون متعمقا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، عارفا بالعلوم الشرعية من قرآن وحديث وعربية وما إلى ذلك، قادرا على الفهم والاستنباط والاقتباس، ذا دربة وارتياض على حل المشاكل وفهم عويصها، ووجود هذا النوع من المفتين بين المسلمين هو فرض كفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، والمفتون المستقلون هم أرباب المذاهب، وقد أجمع أهل السنة على اعتبار أبي حنيفة النعمان بن ثابت (؟-150) ومالك بن أنس الأصبحي (؟-179) ومحمد بن إدريس الشافعي (؟-204) وأحمد بن حنبل (؟-241) وداود بن علي الأصبهاني الظاهري (؟-270) هم الأئمة المجتهدين، والمفتين المستقلين، كما أجمع المتأخرون على انقطاع وجود المستقلين من المفتين من دهر طويل.
195
أما الشيعة الجعفرية فقالوا بأن المفتين المستقلين لم ينقطعوا، وأن كل من اجتمعت فيه الشرائط المطلوبة في المفتي المستقل نال تلك المرتبة؛ لأن باب الاجتهاد لم يقفل، والخير في أمة محمد إلى قيام الساعة.
والمفتي غير المستقل هو المفتي المقلد لأحد المفتين المستقلين، ويشترط فيه أن يطلع على فروع المذهب وعلى صحته ودلائله، وأن يكون حافظا لمذهب إمامه، يستطيع تمييز الحجج وتبين صحيحها وسقيمها، ومرتبته قريبة من مرتبة المفتي المستقل، لكنه قصر عنه، وهذه صفة كثير من المؤلفين وكبار الفقهاء منذ القرن الثالث إلى أواخر القرن الرابع.
196
وكما أن وجود المفتي المستقل فرض كفاية، فكذلك وجود المفتي غير المستقل، ولكنه ينقلب فرض عين إذا لم يكن في الناحية أحد لكيلا تخلو الناحية من فقيه مرشد.
وللإفتاء آداب وأركان، فمنها: (1)
أن يدرس القضية المستفتى عنها من كافة نواحيها لئلا يقع في خطأ فاحش. (2)
وأن يبتعد عن تتبع الحيل الشرعية والشبه غير الواضحة، والرخص التي لا يلجأ إليها إلا في الضرورة. (3)