تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما القرآن، فقوله فصل لأنه مروي بالتواتر، وكل ما ورد فيه من الأحكام مقبول قبولا لا يحتمل المناقشة والتأويل.

وأما السنة، فما صح منها مقبول مسلم به، وقد اختلف الأئمة في شرائط المقبول منها.

وأما الإجماع ، فهو إجماع أهل الحل والعقد على رأي عام، والرأي العام للأمة لا يأتيه الباطل، فمتى أجمع أهل زمان على شيء كان مقبولا.

وأما القياس فقد قبل به جمهور كبير من المسلمين، ورده بعضهم وهم أهل الظاهر مثل الإمام داود الأصفهاني وتابعيه ومن اقتدى بهم؛ فإنهم قالوا لا يجوز الاجتهاد في الأحكام، وقالوا إن أصول الأحكام ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، أما القياس فأمر خارج عن مضمون هذه الثلاثة.

وبعد، فنحن إذا أردنا بعد ما تقدم أن نكون أكثر تدقيقا في تصنيف مناهج البحث عند المسلمين، نجدها تنقسم إلى أقسام ثلاثة: (1)

منهج أهل الحديث، وهم مالك وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ولكن اعتمادهم على القرآن والحديث الإجماع، أما القياس وما إليه من تحكيم الرأي في أمور الدين فلم يكن يلجأ إليه إلا قليلا وحين الضرورة. (2)

منهج أهل الرأي، وهم أبو حنيفة وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ولكن جل اعتمادهم على القرآن وعلى ما صح من الحديث - وهو قليل عندهم - وعلى الإجماع والقياس. (3)

منهج أهل الظاهر وهم داود وأصحابه ممن قالوا بالأصول الثلاثة: القرآن والسنة والإجماع، ومنعوا العمل بالتأويل والرأي والقياس.

وقد غلبت بعض هذه المناهج الثلاثة على أقاليم دون غيرها؛ فمذهب أهل الحديث غلب على أهل مكة والمدينة ومصر ومسلمي إفريقية والأندلس وصقلية، ومذهب أهل الرأي غلب على أهل العراق والمشرق والأندلس ولكنه لم يعمر طويلا. (3-5) أمور تتعلق بالتعليم الثانوي والعالي في المدارس الإسلامية: (الفتيا، المناظرة، الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث، التدوين)

لم يقسم مربو المسلمين التعليم إلى أولي وثانوي وعال، وإنما صنفوه - كما رأيت فيما سبق - إلى: تعليم في الكتاتيب وتعليم في المدارس والمعاهد الأخرى.

وربما كانوا يعلمون - في بعض الأقطار والأزمنة - بعض مواد تعليم المدارس في الكتاتيب، والعكس صحيح.

ولقد ارتأيت تسهيلا للبحث أن أطلق اسم «التعليم الأولي» على تعليم الكتاتيب كما أسلفت، وأن أطلق اسم «التعليم الثانوي والعالي» على تعليم المدرسة وما إليها من المعاهد الأخرى كالمكتبة، ودار العلم، ودار الحكمة، والخانقاه، والبيمارستان، والمسجد، والرباط وما إلى ذلك من المعاهد التي كانت تكون ميدانا لنشاط فكري عال يتجلى في مباحث الفتيا والاستملاء والتدوين والتأليف على ما سأبينه فيما يلي:

الفتيا

وردت في القرآن الكريم والحديث النبوي نصوص كثيرة تتعلق بالفتيا والاستفتاء، وهذا النوع التعليمي من أقدم أنواع التعليم في الإسلام؛ فقد ورد في القرآن قوله:

يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ، وفيه أيضا:

يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات ، وفي الحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.» وقال

صلى الله عليه وسلم : «من أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه.» وقال أيضا: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.» فهذه الآيات والأحاديث تدلنا على أن الفتيا كانت من العناصر التعليمية البارزة الأثر في الإسلام، كما أنها كانت معروفة في «الجاهلية»؛ فقد كان عندهم مفتون وعرفاء وحكماء يرجعون إليهم ويستفتونهم في حل مشاكلهم،

191

وفي زمن الرسول عرفت جمهرة من الصحابة وفضلائهم بالفتيا والبراعة في تفهم مشاكل الناس وأسئلتهم وحلها، وفي طليعتهم الخلفاء الأربعة الراشدون، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٦٢