139
وقد كانت الربط مأوى يلجأ إليه العلماء الرحالون وطلاب العلم الذين ينتقلون في أرجاء العالم الإسلامي طلبا للحديث النبوي أو علوم الدين والعربية. قال الإمام الكبير القاضي أبو بكر بن العربي (468-543) الإمام المجتهد والمحدث الجليل لما خرج من الأندلس قاصدا المشرق دخل بغداد ونزل في رباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، فاجتمع فيه بالإمام الغزالي فقرأ عليه ولازمه. ذكر المقري في نفح الطيب نقلا عن ابن العربي أنه قال: «ورد علينا دانشمند - وهو لقب فارسي للإمام الغزالي معناه العلامة - فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة ...»
140
الزاوية:
هي كالرباط والخانقاه إلا أنها أصغر في الغالب، وهي أكثر ما تكون في الصحاري والأمكنة الخالية من السكان، وربما أطلقت على ناحية من نواحي المساجد الكبرى تقام فيها بعض حلق العلم، فقد كان في جامع عمرو بن العاص بمصر عدة زوايا، قال المقريزي: «وبالجامع زوايا يدرس فيها الفقه، منها «زاوية الإمام الشافعي» يقال إنه درس فيها الفقه فعرفت به، ولم يزل يتولى تدريسها أعيان الفقهاء وجلة العلماء، وفيها «الزاوية المجدية» بصدر الجامع فيما بين المحراب الكبير ومحراب الخمس داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحارث بن مهلب الأزدي، ويعد تدريسها من المناصب الجليلة، ومنها «الزاوية الصاحبية» رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين، وجعل لها مدرسين؛ أحدهما مالكي والآخر شافعي، ومنها «الزاوية الكمالية» بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل ... وغير ذلك من الزوايا الصوفية.»
141
وكانوا يقفون هذه الزوايا - ومثلها التكايا - على الفقراء الصوفية، ويجعلون لها شيخا واحدا أو أكثر من واحد، ويحددون عدد من يباح لهم الإقامة الدائمة فيها، ومن يحق لهم البقاء فيها موقتا مدة من الزمن.
ومما تجدر الإشارة إليه أن المسلمين قد خصصوا بعض الخوانق والربط والزوايا للنساء خاصة، يقمن فيها ويتلقين بعض الدروس في الدين من القرآن والحديث والفقه والأدب من شعر ونثر، ومن أشهر هذه الربط النسوية «رباط البغدادية» الذي بنته السيدة الجليلة تذكار باي ابنة الملك الظاهر بيبرس سنة 684 للشيخة الفاضلة الزاهدة زينب ابنة أبي البركات البغدادية (؟-714)، فأنزلتها به مع النساء الصالحات، وله دائما شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن. قال المقريزي: وآخر من أدركنا فيه الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية (؟-796)، وكانت فقيهة وافرة العلم زاهدة قانعة باليسير عابدة واعظة حريصة على النفع والتذكير ... انتفع بها كثير من نساء دمشق ومصر، وكان لها قبول زائد ووقع في النفوس ... أدركنا هذا الرباط وتودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرن حتى يزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن لما كان فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراس والمواظبة على وظائف العبادات.
البيمارستان: «البيمارستان» - ومخففها «مارستان» كلمة فارسية معناها «المستشفى»، وهي مؤلفة من كلمة «بي» ومعناها: «بدون»، و«مار» ومعناها: «الحياة، أو الحيوية»، و«ستان» ومعناها مكان؛ فمعنى الكلمة كلها «مكان المرضى».
وقال الجوهري في الصحاح: المارستان بيت المرضى، معرب. وقد أطلقت في الأصل على كل مستشفى، ثم خصصت بمستشفى المجاذيب، وأول من عمل البيمارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك في سنة 88، وجعل فيها الأطباء وأجرى عليهم الجرايات، وعمل دور الضيافة، وأمر بحبس المجذومين والعميان، وكانوا يودعون في هذه البيمارستانات الأدوية والعقاقير والأكحال، ويجعلون فيها الأطباء والكحالين والجراحيين والخدم وكل ما تحتاج إليه المشافي من عدد وآلات، وربما جعلوا في بعضها خزائن الكتب