تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

142

وغرفا وأواوين ومعاهد لتدريس الطب والصيدلة وما إليها، وربما ألحقوا مكان التدريس بجانب البيمارستان ليكون الطلاب في جو هادئ، وإذا ما أراد الأستاذ تدريسهم وإجراء التطبيق العملي نقلهم من المدرسة إلى البيمارستان أو من البيمارستان إلى المدرسة، وممن عمل ذلك الخليفة المستنصر العباسي؛ فإنه جعل في مدرسته المستنصرية العظمى معهدا لتدريس الطب والصيدلة، وإلى جانبه شاد البيمارستان ليطبق الطلاب علومهم النظرية على الحالات المرضية في ذلك المستشفى.

وكذلك فعل الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي؛ فإنه بنى البيمارستان الكبير المنصوري في القاهرة سنة 682، وجعل فيه قبة ومدرسة وبيمارستانا، وإن ذلك كله تم في أسرع مدة وهي أحد عشر شهرا، وكان مقدار ذرعها عشرة آلاف وستمائة ذراع، وكان الشروع في البناء سنة 683، ووقف عليها ما يقارب من ألف ألف درهم في كل سنة لمصاريف البيمارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام، وجعل مكانا تفرق فيه الأدوية والأشربة، ومكانا يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء الدروس في الطب، وقرر في القبة خمسين مقرئا يتناوبون قراءة القرآن ليلا ونهارا، ودرسا للتفسير له مدرس ومعيدان وثلاثون طالبا، ودرس حديث نبوي، وجعل بها خزانة كتب وستة خدام طواشية لا يزالون بها، ومتصدرا لإقراء القرآن، ودروس في الفقه على المذاهب الأربعة، ورتب بمكتب الأيتام معلمين يقرئان الأيتام القرآن

143

الكريم، وقد مدحها الشرف البوصيري بقوله:

أنشات مدرسة ومارستانا

لتصحح الأديان والأبدانا

وقال أيضا:

ومدرسة ود الخورنق أنه

لديها حظير والسدير غدير

مدينة علم والمدارس حولها

قرى أو نجوم بدرهن منير

تبدت فأخفى الظاهرية نورها

وليس بظهر للنجوم ظهور

بناها كأن النحل هندس شكله

ولانت له كالشمع فيه صخور

ولما دخل صلاح الدين مصر أمر بفتح مارستان للمرضى. قال القاضي الفاضل: في متجددات سنة 577 في تاسع ذي القعدة أمر السلطان بفتح مارستان للمرضى والضعفاء فاختير له مكان في القصر، أفرد برسمه من أجرة الرباع الديوانية مشاهرة قدرها مائتا دينار، واستخدم له أطباء وطبائعيين وجراحيين ومشارف وعاملا وخداما، ووجد الناس فيه رفقا وإليه مستروحا وبه نفعا. وكذلك بمصر أمر بفتح مارستانها القديم وأفرد برسمه من ديوان الأجناس ما تقدير ارتفاقه عشرون دينارا، واستخدم له طبيبا وعاملا ومشرفا وارتفق به الضعفاء.

144

والمستشفيات التي كانت فيها حلقات لتدريس الطب كثيرة في الإسلام. قال الدكتور أحمد عيسى في فصل عنوانه «تدريس الطب بالبيمارستان وفي مدارس خاصة»: ذكرنا أن طلبة الطب كانوا يتلقون علومهم على أساتذتهم في البيمارستانات؛ إذ كانت تهيأ لهم الإيوانات الخاصة المعدة والمجهزة بالآلات والكتب أحسن تجهيز، فيقعدون بين يدي معلمهم بعد أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم كما كان يفعل أبو المجد بن أبي الحكم في البيمارستان النوري الكبير، وإن بعضا من مشايخ الطب وكبار رؤسائهم كان يجعل له مجلسا عاما لتدريس صناعة الطب للمشتغلين عليه في منزله أو في المدارس الخاصة،

145

ويقول ابن أبي أصيبعة: إن الفيلسوف الطبيب أبا الفرج بن الطبيب كان يقرئ الطب في البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فيه،

146

وإن الإمام الطبيب إبراهيم بن مكس كان يدرس الطب في البيمارستان العضدي في بغداد وكان له ما يقوم بكفايته،

147

وقال ابن كثير في حوادث سنة 572: وفيها بنى الأمير مجاهد الدين قايماز نائب قلعة الموصل جامعا حسنا - هو الجامع المجاهدي - ورباطا ومدرسة ومارستانا متجاورات بظاهر مدينة الموصل على دجلة وأوقف عليها الأوقاف،

148

ولما زار ابن جبير مدينة الموصل في سنة 728 وجد فيها مارستانا أمام مسجدها الجامع.

149

ويذكر ابن كثير أن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي لما كان ملك دمشق سنة 549 ابتنى بها سنة 569 بيمارستانه العظيم المشهور بالمارستان النوري الكبير، وأن ذلك البيمارستان لم تخمد منه نار منذ بنائه إلى أيامنا هذه؛ أي سنة 774، وهي سنة وفاة ابن كثير. ويقول ابن أبي أصيبعة: إن نور الدين لما أنشأ بدمشق بيمارستانه هذا جعل أمر الطب فيه إلى الطبيب الأشهر أبي المجد بن أبي الحكم الباهلي، وأنه كان يدور على المرضى ويتفقد أحوالهم ويعتبر أمورهم وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك، وبعد فرغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الديوان الكبير بالبيمارستان، وجميعه مفروش، ويحضر كتب الاشتغال. وكان نور الدين - رحمه الله - قد وقف على هذا البيمارستان جملة كتب من الكتب الطبية، وكانت في الخرستانين اللذين في صدر الديوان، فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ثم تجري مباحث طبية ويقرئ التلاميذ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحث ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات،

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٤٨