تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

136

وقد كان إلى جانب هذه الأربطة ساحات فسيحة معدة لخيول المجاهدين استعدادا لرد العدو أو مبادرته بالقتال تنفيذا لمنطوق الآية الكريمة:

ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله .

ثم على مرور الأزمنة تطور معنى هذه اللفظة، فأصبحت تطلق على الأمكنة التي يرابط فيها من نذروا أرواحهم للجهاد في سبيل الله ونصرة دينه، فأصبحت تطلق على البيوت التي يسكنها المتقشفون والصوفية. قال المقريزي: «الربط جمع رباط، وهو دار يسكنها أهل طريق الله.» قال ابن سيده: الرباط من الخيل الخمسة فما فوقها، وأصلها أن يرابط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطا، وربما سميت الخيل نفسها رباطا، والرباط والرباط المواظبة على الأمر. قال الفارسي: هو ثان من لزوم الثغر، ولزوم الثغر ثان من ربط الخيل، وقوله تعالى:

وصابروا ورابطوا

قيل معناها جاهدوا، وقيل واظبوا على مواقيت الصلاة. وقال أبو حفص السهروردي في كتاب عوارف المعارف: وأصل الرباط ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل ثغر يدافع أهله عمن وراءهم رباط، فالمجاهد المرابط يدفع عمن وراءه، والمقيم في الرباط على طاعة الله يدفع بدعائه البلاء عن العباد والبلاد، وروى داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمى بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، لم يكن في زمان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

غزو تربط فيه الخيل ولكنه انتظار للصلاة بعد الصلاة، فالرباط جهاد النفس، والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه، واجتماع أهل الربط إذا صح على الوجه الموضوع له الربط، وتحقق أهل الربط بحسن المعاملة ورعاية الأوقات وتوقي ما يفسد الأعمال ويصحح الأحوال يعود بالبركة على البلاد والعباد. وشرائط سكان الرباط قطع المعاملة مع الخلق وفتح المعاملة مع الحق، وترك الاكتساب اكتفاء بكفالة مسبب الأسباب، وحبس النفس عن المخالطات واجتناب التبعات، ومواصلة الليل والنهار بالعبادة متعوضا بها عن كل عادة، والاشتغال بحفظ الأوقات وملازمة الأوراد، وانتظار الصلوات واجتناب الفضلات، ليكون مجاهدا مرابطا. والرباط بيت الصوفية، ومنزلهم، ولكل قوم دار، والرباط دارهم، وقد شابهوا أهل الصفة في ذلك؛ فالقوم في الرباط متفقون على قصد واحد، وعزم واحد، وأحوال متناسبة، ووضع الرباط لهذا المعنى.

137

ولقد كانت الربط في أيام بني أمية وبني العباس بكثرة على الثغور الرومية والبيزنطية وإلى أقصى الشرق وعلى حدود ما وراء النهر وفي شمالي إفريقية وسائر بلاد المغرب، وكان يقيم فيها المجاهدون، وطبيعي جدا أن هؤلاء المرابطين كانوا في خلال الأوقات التي لا تكون فيها الحرب أو الاستعداد لها، كانوا يعملون على ترويض أنفسهم جسميا أو روحيا، وكانوا يقرءون ما تيسر لهم من القرآن أو نصوص العلم والدين أو أحاديث الرسول

صلى الله عليه وسلم . ويظهر أنه منذ القرن الرابع أخذ بعض أهل الخير يقفون مساكن في ضواحي المدن الكبرى، يجعلونها مؤبدة على الزهاد والعباد؛ أي في الوقت الذي شرعوا يبنون فيه الخوانق. والرباط هو الخانقاه إلا أن أهل العراق قلما استعملوا كلمة الخانقاه، أما أهل مصر والشام فقد استعملوا كلمة رباط. وقد جعلوا الرباط مأوى الصوفية الفقراء المجردين غير المتأهلين، وربما كانوا يقفون بعض الربط على النساء من أهل الصلاح والفقر والخير والدين، ويجعلون لها شيخات من فواضل النساء وعوالمهن. قال المقريزي في الكلام عن رباط البغدادية: بنته السيدة الجليلة تذكار باي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس سنة 684 للشيخة الصالحة زينب بنت أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية، فأنزلتها به ومعها النساء الخيرات، وما برح إلى وقتنا هذا يعرف سكانه من النساء بالخير، وله دائما شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن،

138

وكما جعلوا في الخانقاه شيخا ومدرسين وقراء، فكذلك جعلوا في الرباط. ومن أشهر الربط التي كانت فيها حلقات لتعليم القراءة والكتابة والدين والتصوف رباط الآثار الذي عمره الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد، فقد قرر فيه دروسا للفقهاء الشافعية وجعل له مدرسا وعنده عدة من الطلبة ولهم جار.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٤٦