126
وإن معنى «خانكاه» هو مقام درويشان، أي بيت الدراويش والصوفية والفقراء. وقد حدثت الخوانق في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها للعبادة،
127
وكانت تبنى في الغالب على شكل مساجد الصلاة، إلا أن فيها غرفا عديدة لبيت الفقراء والصوفية وبيتا كبيرا لصلاتهم مجتمعين وللقيام بأورادهم وأذكارهم، ولا يكون فيها في الغالب منبر لأنها لا تقام فيها صلاة الجمعة إلا نادرا، فإن الصوفية عادة كانوا يخرجون منها أيام الجمع إلى أقرب مسجد. وربما أقيمت صلاة الجمعة في بعض الخوانق كخانقاه يكتمر بمصر،
128
وكانت الخوانق في العادة تزود بحمام ومطبخ ومخازن للأطعمة والمؤن، وفرن تصنع فيه الأخباز والمأكولات.
129
وكان يكون لكل خانقاه شيخ يلقب ب «شيخ الشيوخ». قال المقريزي في كلامه عن الخانقاه الكبرى الصالحية التي كانت دار سعيد السعداء في دوبرة الصوفية بمصر: «هذه الخانقاه كانت أولا دارا تعرف في الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر ويقال عنبر أحد الأستاذين المحنكين خدام القصر، عتيق الخليفة المستنصر قتل في سابع شعبان سنة 544ه، فلما استبد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بملك مصر عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، ووقفها عليهم في سنة 569 وولى عليهم شيخا، وشرط أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة، ورتب للصوفية في كل يوم طعاما ولحما وخبزا وبنى لهم حماما بجوارهم، فكانت أول خانقاه عملت بمصر وعرفت بدوبرة الصوفية، ولقب شيخها بشيخ الشيوخ، واستمر ذلك بعده إلى أن كانت الحوادث والمحن سنة 806، واتضعت الأحوال وتلاشت الرتب، فلقب كل شيخ خانقاه ب «شيخ الشيوخ»، وكان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم ... أخبرني الشيخ أحمد بن علي القصار أنه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عندما يتوجهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكمي.»
130
وكانوا يخصصون في كل خانقاه عددا من الصوفية يقيمون فيها، وربما بلغ عددهم في بعض الخوانق خمسمائة صوفي، كما كان الحال في خانقاه الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فقد بنى في مصر بناء فخما جعله خانقاه وجعل إلى جانبه رباطا قال عنه في الخطط المقريزية: «ولما كملت في سنة 799 قرر في الخانقاه أربعمائة صوفي، وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت.»
131
وكانوا يجعلون في تلك الخوانق دروسا في الفقه والدين والعربية والتصوف والحديث، فقد جعل الملك المظفر بيبرس دروسا في الحديث وسمى لذلك مدرسا وعنده عدة من المحدثين والقراء،
132
وربما جعل بعضهم في الخانقاه دروسا لتدريس المذاهب الأربعة، وكانوا كثيرا ما يلحقون بالخوانق كتاتيب لتعليم الأطفال المسلمين القرآن والكتابة والقراءة مع تجويد الخط العربي،
133
كما كانوا يجعلون في الخوانق خزائن للكتب والمصاحف القرآنية والربعات، وربما وضعوا فيها بعض الكتب الفلكية وآلاتها؛ فقد رووا أن الأمير بسكتمر الساقي جعل في خانقاهه شيخا وإماما وعشرين صوفيا وقراء وهيأ لهم كل ما يحتاجون إليه من طعام وغذاء ودواء، وظل ذلك إلى أن وقعت الفتن في مصر سنة 806، فتعطل كثير من تلك الخيرات وخربت الحمام والبستان التابعان للخانقاه وتمزق ما كان فيها من الفرش، وآلات النحاس والكتب والربعات والقناديل النحاس المفرغة والقناديل الزجاج المذهب، وغير ذلك من الأمتعة والنفائس الملوكية.
134
الرباط:
هو في الأصل مصدر «رابط»، قال في المصباح المنير: «الرباط اسم من رابط مرابطة، إذا لازم ثغر العدو.»
135
وقد أطلق لفظ «الرباط» على نوع من الثكنات العسكرية التي تبنى على الحدود الإسلامية وقرب الثغور، يقيم فيها المجاهدون «المرابطون» الذين رابطوا في هذه الأمكنة للدفاع عن دار الإسلام بسيوفهم. وقد كانت الأربطة منتشرة في أيام بني أمية وبني العباس بين ديار الإسلام وديار الحرب. وأجل هذه الربط ما كان في شمالي بلاد الشام وشمالي إفريقية، وقد كانت في تصميمها تشبه الحصون البيزنطية، ومعظمها بني على شكل مستطيل وفي أركانها الأربعة أبراج للمراقبة، أما داخلها فبناء تحف به القاعات التي لا نوافذ لها في الغالب.