123
فإن الأول ذهب إلى «أن مجرد اسم دار علم يدل على الفرق بينها وبين دور الكتب القديمة، وإن دار الكتب قديما كانت تسمى خزانة حكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، أما المؤسسات الجديدة فتسمى دور علم وخزانة الكتب جزء منها، وتزيد على دور الكتب بالتعليم وبإجراء الأرزاق على من يلازمها.» وأخذ الثاني كلام الأول وأضاف إليه قوله «ودار العلم التي نحن بصددها ينطبق تماما عليها هذا القول، فقد كانت «جامعة» حقة تضم عدة حلقات دينية وأدبية وعلمية، وجلس فيها القراء والفقهاء وأصحاب النحو واللغة والمنجمون والأطباء ...»
ونحن نرى في هذا القول، وبخاصة قول الأستاذ خطاب، مبالغة كبيرة؛ فإن إطلاق كلمة «جامعة» على «دار العلم» هذه فيه كثير من التساهل، ف «المدرسة» أو «الجامعة» لها شروط عديدة، منها:
أن يكون المكان مشيدا للعلم والتعليم خاصة.
وأن يكون للدخول فيه شرائط معينة.
وأن يرتب لمن فيه من الطلاب والأساتذة الرواتب الخاصة.
وأن تكون تلك الرواتب لكل منتسب إليه لا للفقراء والمعوزين الذين يقصدونه.
وأن يكون له هدف خاص معروف.
وأن يكون مزودا بكل ما تحتاج إليه الدراسة من عدد الدرس وآلاته كالكتب والألواح والغرف المهيأة.
وأن توقف بعض الوقوف الدارة عليه لاستمرار العمل فيه طويلا.
وأن يزود بالموظفين الكفاة الذين يقومون بالسهر عليه وعلى مصالحه.
ونحن لا نعرف مؤسسة روعيت فيها هذه الشروط إلا المدرسة النظامية التي أسسها الوزير نظام الملك السلجوقي. أما «دار العلم» أو «دار الحكمة» أو «المحول» أو «الجامع الأزهر» نفسه، فإنها مؤسسات علمية وثقافية، إلا أن هذه الشروط غير متوفرة فيها؛ فلذلك لا يصح أن يطلق عليها اسم «مدرسة» أو «جامعة»؛ لأننا لا نعرف معهدا روعيت هذه الشروط فيه إلا المدارس النظامية التي شيدها نظام الملك في بغداد وغيرها من نواحي العالم الإسلامي. فقول البروفسور متس والأستاذ خطاب قول مبالغ فيه ولا يعتمد على الواقع العلمي، إلا إذا تساهلنا في إطلاق لفظ «المدرسة» أو «الجامعة» على أي مكان يدرس فيه، وليس في هذا الإطلاق أية دقة علمية.
ونحن نحب أن نختم هذا المبحث بأن كلمة «دار علم» صارت تطلق فيما بعد على كثير من خزائن الكتب التي ليس لها أية صفة جامعية أو مدرسة؛ ففي طرابلس الشام مثلا شاد أميرها القاضي جلال الملك خزانة كتب ضخمة للكتب عرفت باسم «دار العلم»، وقد ذكرها الشاعر أبو عبد الله أحمد بن محمد علي التغلبي الدمشقي المعروف بابن الخياط (؟-517)؛ فقد كتب مرة إلى القاضي أبي الفضل بن أبي روح، وكان قد أمره القاضي جلال الملك أن يفرق شيئا من المال على أهل العلم فيها، فلم يعط ابن الخياط شيئا، وكان ابن أبي روح هذا متوليا دار العلم، فبعث إليه ابن الخياط بالبيتين الآتيين:
أبا الفضل كيف تناسيتني
وما كنت تعدل نهج الرشاد
فأوردت قوما رواء الصدور
وحلأت مثلي وإني لصاد
فاضطر ابن أبي روح أن يعطيه شيئا من ماله.
124
وفي بغداد شيد الأديب الفقية المحدث المؤرخ الطبيب أبو بكر عبيد الله بن علي بن نصر، المعروف بابن المارستانية ناظر أوقاف المارستان العضيدي؛ دارا بدرب الشاكرية سماها «دار العلم»، وجعل فيها خزانة كتب ووقفها على طلاب العلم، ولكن سيرته لم تحمد في نظارة الأوقاف فقبض عليه وصودرت أمواله وبيعت دار العلم بما فيها من الكتب.
125 (1-3) مؤسسات أخرى للتعليم
لم يقتصر التعليم عند العرب على المسجد والجامع والكتاب ودور العلم وخزائن الكتب كما رأينا، بل وجدت عندهم مؤسسات أخرى كانوا يتلقون فيها العلم إلى جانب الأغراض الأخرى التي أسست من أجلها كالخانقاه، والرباط، والزاوية، والبيمارستان. وسنفرد فيما يلي بحثا موجزا لكل مؤسسة من هذه المؤسسات:
الخانقاه:
ويقال لها الخانكاه أيضا ، وتجمع على خوانق وخوانك، وهي كلمة فارسية الأصل معناها البيت. قال المقريزي: «هي كلمة فارسية معناها بيت، ويقال إن أصلها خونقاه، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك.» وقال مؤلف «فرهتك خيام»: «خانقاه معرب خانكاه.»