وقد ظلت هذه الدار مغلقة طول عمر وزارة الأفضل، فلما مات أمر الخليفة الآمر بأحكام الله وزيره المأمون بن البطائحي بإعادة فتحها على الأوضاع الشرعية. ثم عاد حميد القصار ... فأفسد عقول بعض الجماعات وادعى الربوبية، فحضر الداعي ابن عبد الحقيق إلى الوزير المأمون وعرفه بأن هذا قد تعرف بطرف من علم الكلام على مذهب أبي الحسن الأشعري ثم انسلخ عن الإسلام وسلك طريق الحلاج في التمويه ... فرسم المأمون بالقبض عليه وعلى جميع أصحابه وقتلوا سنة 517ه.
ويقول ابن عبد الظاهر مؤرخ مصر: «... وكان لإبطالها أمور سببها اجتماع الناس والخوض في المذاهب والخوف من الاجتماع على المذهب النزارني.»
114
ولم يزل الخدام يتوصلون إلى الخليفة الآمر بأحكام الله حتى تحدث في ذلك مع الوزير المأمون ... فأجاب المأمون إلى ذلك وقال بشرط أن يكون متوليها رجلا دينا والداعي الناظر فيها، ويقام فيها متصدرون برسم قراءة القرآن، فاستخدم فيها أبو محمد حسن بن آدم، فتولاها وشرطا عليه ما تقدم واستخدم فيها مقرئون.
115
وقد عقد المقريزي لدار العلم الثانية هذه بابا خاصا عنوانه «دار العلم الجديدة»، وقال إنها كانت بجوار القصر الكبير الشرقي، وإنها فتحت بعد مقتل الوزير الأفضل، وأن الوزير المأمون امتنع من إعادتها في موضعها الأول بباب التبانين، ففتحت في جوار القصر في ربيع الأول سنة 517 وأنها لم تزل عامرة إلى أواخر عهد الدولة الفاطمية.
116
ولا شك في أن هذه المؤسسة بخزانتها ورجالاتها كانت مفتوحة لنشر المذهب الفاطمي؛ فقد اهتم الفاطميون بنشر مذهبهم الديني لأنه كان السبب في فرض سلطانهم السياسي، فأذاعوا عقائدهم على جماهير المستجيبين وأعانوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء، وجعلوا من دار العلم هذه مركزا من مراكز الدعوة يلقي العلماء فيه الدروس والمحاضرات على الدعاة والعامة، كما أنهم قد جعلوا جانبا من جوانب قصرهم مركزا من مراكز الدعوة، وهو المعروف «بالمحول»، وفيه كانت تلقى المحاضرات والدروس على الخاصة ورجالات الدولة. ويذكر ابن خلكان أن الخليفة الظاهر بن الحاكم بأمر الله قد أمر الناس بحفظ كتاب «دعائم الإسلام» للقاضي النعمان، وأنه جعل لمن حفظه مالا كثيرا، ويذكر أيضا أن الوزير يعقوب بن كلس ألف كتابا في الفقه الفاطمي ورتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه مصنفاته على الناس، وكان يحضر هذا المجلس جماعة من كبار رجالات الدولة كالقضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل والعدول.
117
ويقول المقريزي: إن الإمام الظاهر الفاطمي طلب إلى الناس أن يحفظوا كتاب مختصر الفقه للوزير ابن كلس.
118
وفي ديوان الإمام المؤيد في الدين داعي الدعاة هبة الله بن موسى بن داود الشيرازي (؟-470) الكاتب الأديب العالم المعروف برسائله التي ناظر بها أبا العلاء المعري في موضوع أكل اللحم مقطوعة، قيل إن الخليفة المستنصر بالله أرسلها إليه يحثه فيها على نشر علوم أهل البيت الفاطميين وفقههم، وفيها قوله:
119
يا حجة مشهورة بين الورى
وطود علم أعجز المرتقي ... شيعتنا قد عدموا رشدهم
في الغرب يا صاح وفي المشرق
فانشر لهم ما شئت من علمنا
وكن لهم كالوالد المشفق
وفي «سيرة داعي الدعاة المؤيد في الدين» التي كتبها بقلمه،
120
وفي «المجالس المستنصرية» التي كتبها الداعي ثقة الإمام علم الإسلام،
121
وقد نشرهما الأستاذ الدكتور محمد كامل حسين المصري، شيء كثير عما كان يجري في «دار العلم» و«المحول» من البحوث الكلامية وأخبار العقائد الفاطمية.
ونرى قبل أن نختم الحديث عن «دار الحكمة» أو «دار العلم» هذه أن نعرض إلى أقوال بعض الباحثين الذين أرادوا أن يجعلوا من هذه الدار «مدرسة» أو «جامعة» كما يقول البروفسور متس
122
والأستاذ خطاب عطية،