113
ولما استخلف الحاكم بأمر الله المنصور بن العزيز نزار (375-410) وكان عالما مشتغلا بعلوم الفلسلفة والتنجيم والرصد، أمر سنة 395ه بإشادة دار العلم في القاهرة لتكون مقرا للدعوة الفاطمية ومستودعا للذخائر والكتب الفلسفية والحكمية والأدبية والدينية «وكانت بجوار القصر الغربي من بحريه إلى شماليه» قال الأمير المختار عز الملك محمد بن عبيدان بن أحمد المسبحي المؤرخ (؟-420) الذي كان في خدمة الحاكم: وفي يوم السبت هذا - يعني العاشر من جمادى الآخرة سنة 395 - فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة وجلس فيها الفقهاء وحملت إليها الكتب من خزائن القصور المعمورة، ودخل إليها الناس ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمجتمعون وأصحاب النحو واللغة والأطباء بعد أن فرشت هذه الدار وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها الستور وأقيم قوام وخدام وفراشون وغيرهم، وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها؛ فكان ذلك من المحاسن المأثورة أيضا التي لم يسمع مثلها من إجراء الرزق السني لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم، فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج إليه الناس من الحبر والأقلام والورق والمحابر ... وفي سنة 403ه أحضر جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من الفقهاء منهم عبد الغني بن سعيد وجماعة من الأطباء إلى حضرة الحاكم بأمر الله، وكانت كل طائفة تحضر على انفرادها للمناظرة بين يديه ثم خلع على الجميع ... ووقف الحاكم أماكن في فسطاط مصر على عدة مواضع وضمنها كتابا. وقد ذكر عند الجامع الأزهر وذكر فيه «دار العلم» وقال: ويكون العشر وثمن العشر لدار الحكمة لما تحتاج إليه في كل سنة من العين المغربي مائتان وسبعة وخمسون دينارا من ذلك الثمن:
الحصر العبداني وغيرها لهذا الدار
10 دنانير
ولورق الكاتب، يعني الناسخ
90 دينارا
وللخازن بها
48 دينارا
ولثمن الماء
12 دينارا
وللفراش
15 دينارا
وللورق والحبر والأقلام لمن فيها من الفقهاء
12 دينارا
ولمرمة الستارة
1 دينار
ولمرمة ما عسى أن يتقطع من الكتب وما عساه أن يسقط من ورقها
12 دينارا
ولثمن لبود للفرش في الشتاء
5 دنانير
ولثمن الطنافس في الشتاء
4 دنانير
209 * *
انظر الخطط المقريزية 334/2، 335.
ويظهر أنه قد كانت ثمة بعض الوظائف الأخرى التي سقط ذكرها من النسخة المطبوعة للخطط المقريزية، فإن مرتب الوظائف التي ذكرها أقل من مجموع المبلغ الموقوف وقدره (275) دينارا.
وقد استمرت هذه الدار على نشاطها التعليمي إلى عهد الوزير الأفضل ابن أمير الجيوش؛ فإنه أمر بإغلاقها في ذي الحجة سنة 516ه، وإنما فعل ذلك لأنها حادت عن الطريق التي وجدت من أجله وهو الدعاوة للمذهب الفاطمي. فقد حدثنا المقريزي عن ابن المأمون المؤرخ المصري أنه قال: وفي هذا الشهر - يعني ذا الحجة سنة 516ه - جرت نوبة القصار وهي طويلة، وأولها من الأيام الأفضلية، وكان منهم رجلان يسمى أحدهما بركات والآخر حميد بن مكي الأطفيحي القصار مع جماعة يعرفون بالبديعية، وهم على الإسلام والمذاهب الثلاثة المشهورة، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، فاعتمد بركات من جملتهم من استفسد عقول جماعة وأخرجهم عن الصواب، وكان ذلك في أيام الأفضل، فأمر للوقت بغلق الدار والقبض على المذكور ... في قصة طويلة خلاصتها أن بركات هذا وحميدا قد أخذا ينشران بين زوار الدار أفكارا تنافي المذهب الفاطمي فيها شيء من مذهب الأشعري والتصوف ومذهب الشافعي والحنفي والمالكي، وكان أصحاب هذا المذهب يسمون بالبديعية، وأخذ الناس وفيهم بعض مماليك دار الخلافة يعتنقون البديعية، فخشي الوزير الأفضل مغبة ذلك فأمر بغلق الدار.