108
وإن هذه الخزانة مرت بعدة نكبات، أعظمها النكبة التي وقعت بديار مصر في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي (427-487) أيام المجاعة الكبرى التي بيع فيها رغيف الخبز بخمسين دينارا ودام الجوع سبع سنين. ويذكر المسبحي المؤرخ أنه شاهد وهو بمصر في سنة 461ه خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محملة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي وزير المستنصر (؟-478) وقال: فسألت عنها فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر، وذكر لي من له خبرة بالكتب أنها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار، ونهبت جميعا من داره يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر في السنة نفسها.. هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب، وسوى ما ظفرت به ولاته محمولا مع ما صار إليه بالابتياع والغصب في بحر النيل إلى الإسكندرية سنة 461 وما بعدها، من الكتب الجليلة المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحة وحسن خط وتجليد وغرابة، التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره، وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم، سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار وبقي منها ما لم يحرق، وسفت عليه الرياح والتراب وصار تلالا باقية إلى اليوم في نواحي آثار تعرف بتلال الكتب ...
والنكبة الثانية العظيمة التي حلت بهذه الخزانة كانت أيام الفتح الأيوبي والقضاء على الدولة الفاطمية؛ فقد نقل المقريزي عن ابن أبي طي أن صلاح الدين الأيوبي بعدما استولى على القصور الملكية الفاطمية أمر ببيع ما في الخزانة، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري إلى غير ذلك،
109
ويقال إنها كنت تشتمل على مائة ألف وستمائة كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة، ويؤيد قول ابن أبي طي أن القاضي الفاضل عبد الرحيم لما أنشأ المدرسة الفاضلية بالقاهرة بعد الفتح الأيوبي جعل فيها من كتب القصر مائة ألف كتاب، وباع ابن صورة الدلال - دلال الكتب - منها جملة في مدة أعوام ... ويعلق المقريزي على هذا الخبر بقوله: فلو كانت مائة ألف كلها لما فضل عن القاضي الفاضل شيء. وذكر ابن أبي واصل أن خزانة الكتب كانت تزيد على مائة وعشرين ألف مجلد.
110
ويقول المقريزي في كلامه عن المدرسة الفاضلية: إن القاضي الفاضل (؟-596) وقف عليها جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، ويقال إنها كانت مائة ألف كتاب وذهبت كلها «وكان أصل ذهابها أن الطلبة الذين كانوا بها لما وقع الغلاء بمصر سنة 694 مسهم الضر، فصاروا يبيعون كل مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعاربة فتفرقت.» وبها إلى الآن مصحف قرآن كبير القدر جدا مكتوب بالخط الأول الذي يعرف الآن بالكوفي ويسميه الناس مصحف عثمان بن عفان، اشتراه بنيف وثلاثين ألف دينار على أنه مصحف أمير المؤمنين عثمان، وهو في خزانة مفردة له بجانب المحراب من غربيه وعليه مهابة وجلالة،
111
ولا غرابة في هذا المبلغ؛ فإن القاضي رحمه الله كان معروفا بحب الكتب والإنفاق عليها إنفاقا عجيبا؛ فقد ذكر عنه عبد اللطيف البغدادي أنه دخل عليه فرأى شيخا ضئيلا كله رأس وقلب ... وأنه كان يقتني الكتب من كل فن ويجتلبها من كل جهة، وله نساخ لا يفترون ومجلدون لا يبطلون. قال لي بعض من يخدمه في الكتب إن عددها قد بلغ مائة ألف وأربعة عشرين ألفا، وهذا قبل موته بسنة.
112
ومهما يكن من أمر فإن هذه الخزانة الملكية الضخمة كانت من مراكز العلم في الديار المصرية منذ أواسط القرن الرابع حتى استقر الفاطميون بمصر، ولما استوزروا الوزير العالم يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن كلس (318-380) في عهد العزيز نزار بن المعز الفاطمي، اهتم بنشر العلم والمذهب الفاطمي. قال المقريزي: أول ما عرف إقامة درس من قبل السلطان بمعلوم جار لطائفة من الناس بديار مصر في خلافة العزيز بالله نزار بن المعز ووزارة يعقوب بن كلس، فعمل ذلك بالجامع الأزهر ... ثم عمل في دار الوزير يعقوب ابن كلس مجلس يحضره الفقهاء، فكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، وعمل أيضا مجلسا بجامع عمرو بن العاص من مدينة الفسطاط لقراءة كتاب الوزير،