91
ولا شك عندنا في أن هذه الدار كانت مركزا ثقافيا جليلا في بغداد، وأن العلماء كانوا يقصدونها من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ولكنا لا نستطيع أن نقول إنها كانت مركزا تعليميا أو مدرسة أو ما أشبه ذلك، بل إنها كانت في الغالب مركزا ثقافيا مفتوحا للناس أجمعين يقصدونها ويطالعون ما فيها من الآثار، وإن هؤلاء العلماء والفلاسفة المقيمين فيها أو الذين يتولون أمورها كانوا يعينون من يقصد إليها إذا ما أشكل عليه فهم نص من نصوص كتبها، وبخاصة سلم المترجم الفيلسوف؛ فقد كان من عيون الناس وفضلائهم، وهو الذي أتقن تفسير المجسطي،
92
وكان يتولى أمر البعوث العلمية ويوالي الأسفار إلى بلاد الإغريق لانتقاء الكتب النفيسة من خزائنها وترجمتها ووضعها في هذه الدار تلبية لرغبة الطالبين. ويحدثنا القاضي القفطي في ترجمة أرسطوطاليس أن المأمون رآه في نومه، فلما استيقظ من منامه حدثته نفسه بطلب كتب أرسطو، فلم يجد منها شيئا ببلاد الإسلام، فاغتم لذلك وأخذ يتطلبه، واستحضر منها خمسة أحمال سيرت إليه، فأحضر لها المأمون المترجمين فاستخرجوها من الرومية إلى العربية.
93
ولا ريب في أن المأمون ومن اختارهم للخدمة في تلك الدار من العلماء والتراجمة كانوا ينقلون نفائس الكتب إلى العربية ويضعونها في خزائنها المفتوحة للطالبين يفيدون منها ضروب العلم والحكمة. ويظهر أن هؤلاء التراجمة كانوا ينقطعون فيها للترجمة والبحث؛ فقد اقترنت أخبار رجال الترجمة في العصر المأموني بأخبار هذه الدار، فسلم المترجم كان صاحبها على ما يحدثنا ابن النديم وابن أبي أصيبعة والقفطي،
94
ومحمد بن موسى الخوارزمي المترجم يصفه القفطي بأنه «كان منقطعا إلى خزانة الحكمة للمأمون، وهو من أصحاب علم الهيئة.»
95
وموسى بن شاكر المهندس وبنوه الثلاثة محمد وأحمد والحسن العلماء المشهورون بعلم الحيل والرياضيات والهيئة كانوا من التراجمة الأفاضل الذين نشئوا في تلك الدار. يقول ابن القفطي: إن المأمون اعتنى بأولاد موسى الثلاثة فوصى بهم إسحق بن إبراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة، وكانت كتبه ترد من بلاد الروم إلى إسحق بن إبراهيم المصعبي بأن يراعيهم ويوصيه بهم ويسأل عن أخبارهم حتى قال: جعلني المأمون داية لأولاد موسى ... فخرج بنو موسى نهاية في علومهم ...
96
فهذه الأخبار كلها تجعلنا نذهب إلى أن تلك الدار كانت خزانة حكمة، ومقر حركة للنشاط والعلم والترجمة في عهد المأمون.
أما المواد التي كانوا يهتمون بها في تلك الدار فهي - في الأغلب - المواد الحكمية من فلسفة وطب وهندسة ورياضيات وتنجيم وفلك وحيل ومنطق وطبيعة وموسيقى، وما إلى ذلك مما كانوا يسمونه علوم القدماء أو العلوم القديمة.
ونحن إذا تتبعنا ما قيل في سير بني موسى بن شاكر الذين تخرجوا في هذه الدار وما أتقنوه من علم، نستطيع أن نتعرف إلى المواد التي كان علماء الدار مهتمين بها؛ فالقفطي يحدثنا عن محمد بن موسى بن شاكر - وهو أكبر الثلاثة - أنه كان وافر الحظ من الهندسة والنجوم عالما بإقليدس والمجسطي وجميع كتب النجوم والهندسة والعدد والمنطق وكان حريصا عليها، وأن أخاه أحمد كان مثله في العلم إلا صناعة الحيل - أي علم الميكانيك - فإنه قد فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأخيه ولا لغيره من المتحققين بالحيل، وأن الحسن - وهو ثالثهم - كان منفردا بالهندسة، وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد، وأنه علم كل ما علم منها بطبعه، ولم يقرأ من كتب الهندسة إلا ست مقالات من كتاب إقليدس ...
97
فأنت ترى من هذه النصوص أن هذه الدار كانت مجمعا علميا، ومقرا للنشاط الحكمي والفلسفي يقصده كل من يرغب في التزود من علوم القدماء.
وكان إلى جانبها «مرصد» بناه الخليفة المأمون ليكون مقرا لمباحث الفلك والجغرافية الطبيعية، وكان يتولى الإشراف عليه أيضا جمهرة من المنجمين والفلاسفة والفلكيين أمثال يحيى بن أبي منصور