85
وقد ظلت خزانة خالد هذه محفوظة في البلاط الأموي، ولما ولي الخلافة الأموية عمر بن عبد العزيز فتحها للناس للإفادة منها والتعليم من نفائسها، وقد انقطعت أخبارها بعدئذ فلم نعثر لها على خبر بعد خلافة عمر بن عبد العزيز سوى ما يذكره القفطي العالم المؤرخ الأشهر المعروف بعلم الكتب والخزائن؛ فإنه ذكر في «تاريخ الحكماء» أثناء ترجمة الفلكي المعروف بابن السنبدي: «إن الوزير أبا القاسم أحمد علي بن أحمد الجرجاني تقدم في سنة 435 قبل وفاته باعتبار خزانة الكتب بالقاهرة وأن يعمل لها فهرست ويرم ما أخلق من جلودها، وأنفذ القاضي أبا عبد الله القضاعي وابن خلف الوراق ليتوليا ذلك وحضر القصر، وحضرت لأشاهد ما يتعلق بصناعتي، فرأيت من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة ستة آلاف وخمسمائة جزء، وكرة نحاس من عمل بطليموس وعليها مكتوب «حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية» وتأملنا ما مضى من زمانها فكان ألفا ومائتين وخمسين سنة.»
86
وممن ذكر عنه الاعتناء بجمع الكتب من خلائف أمية الوليد بن عبد الملك (؟-96) الخليفة الفاتح المصلح المحب للبناء والعمران، وأول من أحدث المستشفيات ودور المجذومين في الإسلام؛ فقد رووا أنه كان محبا للقراءة وجمع الكتب، وأنه جمع خزانة وجعل عليها خازنا اسمه سعد، وكان يلقب بصاحب المصاحف، ولا يقصدون بذلك مصاحف القرآن فقط، وإنما يقصدون مصاحف العلم من أدب وشعر ودين. وقد اختار سعد هذا خالد بن أبي الهياح لكتابة المصاحف العربية والشعر والأخبار ونسخها، وكان حسن الخط، وحسن الكتابة والنسخ.
87
وممن ذكر عنه أيضا من خلائف بني أمية أنه كان يعتني بجمع دفاتر الكتب في الخزائن الوليد بن يزيد بن عبد الملك (؟-126)، وقد كان من فتيان قريش وأدبائهم وظرفائهم على الرغم من حبه للهو والمرح؛ فقد ذكروا أنه على الرغم من حبه للشراب وانهماكه بالمرح والسماع، كان محبا للعلم منقبا عن كتبه ودواوين الشعر، وأنه جمع خزانة كتب كبيرة في قصره على الرغم من قصر مدته؛ إذ إنه لم يبق في الخلافة إلا سنة وثلاثة أشهر. ويقول ابن سعد: حملت الدفاتر على الدواب من خزائنه.
88
هذا ما كان عليه الأمر في عهد بني أمية، فلما استخلف بنو العباس اهتموا كذلك بالعلم وكتبه، وكان أبو جعفر المنصور (95-158) مؤسس هذه الدولة من العلماء الأعلام في الفقه والأدب والحكمة، وهو أول من عني بالعلم والترجمة، وأمر من حوله من أهل الفضل بترجمة الكتب القديمة والاهتمام بعلم الفلك، وفي زمنه عمل أول أسطرلاب عربي صنعه الفيلسوف المهندس المنجم محمد بن إبراهيم الفزاري،
89
ويروي ابن الأثير في تاريخه أن المنصور كان له دفاتر علم، وكان شديد الحرص عليها حتى أوصى ابنه المهدي بها عند وفاته.
90
ويقول القفطي: قدم على المنصور في سنة 156 رجل من الهند بالحساب المعروف عندهم بالسند هند في حركات النجوم ... مع ضروب من أعمال الفلك والكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك في كتاب يحتوي على عدة أبواب ... فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى العربية وأن يؤلف منه كتاب تتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري.
ويظهر أن الخزانة الكبرى التي تناقل الناس أخبارها في عصر بني العباس هي الخزانة التي عني بها الخليفة المأمون العباسي (؟-218)؛ فقد نقلت الأخبار عنه اهتمامه بالعلم وأهله وبجمع الكتب وترجمتها، وأنه كان يتحف ملوك عصره بالهدايا النفيسة طالبا إليهم أن يعطوه ما في خزائنهم من كتب الحكمة والفلسفة، فبعثوا إليه بعدد كبير من آثار أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وبطليموس وإقليدس وغيرهم، فأمر بترجمة تلك الآثار واختار لها البارعين من التراجمة، ونشرها بين الناس وحض على قراءتها واستنساخها، وأمر بتشييد درا الحكمة ووضع فيها هذه الكتب وترجمتها، وكان لا يفتأ يبعث البعوث العلمية إلى بلاد الروم وفارس والهند والصين يشترون له الكتب ويترجمونها، وقد بلغت محفوظات هذه الدار آلافا في جميع فروع العلم من حديث وقديم، وقد تولى أمرها جمهرة من أهل الفضل، نذكر منهم الفيلسوف المتكلم غيلان الشعوبي (؟-؟) وأبا سهل بن نوبخت (؟-؟) وسهل بن سابور الطبيب (؟-218) وسلما المترجم (؟-؟) وأبا حسان المنجم (؟-؟)، وغيرهم من أئمة العلم والفلسفة في العصر المأموني الزاهر.