صلى الله عليه وسلم ، وهند بنت أبي سفيان ... وغيرهن. ويظهر أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا في شغل عن هذه القضية فلم يولوها عنايتهم، ولعل أول كاتب مسلم فصل في هذه القضية القول هو الإمام القابسي؛ فقد ذكر في رسالته عن التعليم أن «من حسن النظر أن لا يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال سحنون: أكره أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن ...»
79
فهذا النص صريح يدلنا على أن البنات كن يتعلمن منذ زمن مبكر جدا، وأنهن كن يقصدن الكتاتيب، وابن سحنون والقابسي يريان أن تفصل البنات عن الصبيان خشية الفساد.
روى الجاحظ في البيان والتبيين أن الوليد بن عبد الملك مر بمعلم صبيان فرأى عنده جارية فقال: ويلك! ما لهذه الجارية؟! فقال: أعلمها القرآن. قال: فليكن الذي يعلمها أصغر منها.
80
ولعل الخشية على البنات من فساد أخلاقهن ومن معلمي السوء هي التي جعلت كثيرين من الفقهاء منذ زمن بعيد يحرمون عليها تعلم الكتابة ويبيحون لها تعلم القراءة، وقراءة القرآن فحسب، ويوصونها بتعلم سورة النور خاصة لما فيها من الوعظ والتأديب والتعلم المتعلق بها.
قال الجاحظ: وكان يقال لا تعلموا بناتكم الكتاب، ولا ترووهن الشعر وعلموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور.
81
ومثل هذا ما نجده منثورا في سقط الزند، فإن أبا العلاء المعري - غفر الله له - كان يكره أن تعلم الفتاة، وكان يوصي أهلها أن يجنبوها القراءة والكتابة.
ومثل هذا ما دفع العلامة العراقي المتأخر أبا الثناء الآلوسي أن يؤلف رسالة خاصة في تحريم تعليم الفتاة سماها «الإصابة في منع النساء من تعلم الكتابة».
ولكن الأمر لم يسر في هذه الطريق المتشددة؛ فقد كان كثير من الفقهاء والعلماء يحرصون على تعليمها، حتى نبغ منهن في الإسلام قديما وحديثا من لا يحصين كثرة ولا يقارن بكثير من الرجال. قال القابسي: «وأما تعليم الأنثى القرآن والعلم فهو حسن ومن مصالحها، فأما أن تعلم الترسل والشعر وما أشبهه فهو مخوف عليها ...»
82
ويقول العلامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب: ولا تحسبن أن التعليم الابتدائي كان يختص بالولدان الذكور دون البنات، بل إنه كان شاملا الجنسين، لا سيما عند المياسير ... فهذا القاضي الورع عيسى بن مسكين (؟-275) كان يقرئ بناته وحفيداته، قال عياض: «فإذا كان بعد العصر دعا بنتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية أسد بن الفرات بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة، والإمام سحنون بابنته خديجة ... وروى الخشني أن مؤدبا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب وكان يعلم الأطفال بالنهار والبنات في الليل ...»
83
وصفوة القول أن الإسلام لم يحرم التعليم على الفتاة، ولكن الذي نهاها عنه بعض العلماء هو قول الشعر الفاحش، والكلام المقذع وقراءة هذا وأمثاله، أما أن تقول الشعر الحكيم الرصين وتتعلم المحكم الحسن والجيد المتقن فأمور يدعو إليها الشرع ويحرص عليها.
المكتبة، دار العلم:
عني الخلفاء المسلمون منذ فجر العهد الأموي بالكتاب العربي وتكثيره ونشره بين الناس وإنشاء الخزائن التي تضم الكتب والدفاتر والسجلات ، كما عنوا بالحصول على كتب العلم القديمة لتكون مرجعا لهم ولأولادهم، وكانوا يزودون المساجد الجامعة من كل إقليم بالخزائن التي تضم المصاحف والأجزاء الحديثة، وكتب العلم، وكان كثير من العلماء منذ زمن قديم يقفون كتبهم وأوراقهم ومخطوطاتهم على خزائن المساجد ودور العلم يتقربون بذلك إلى الله، ويرجون نشر العلم ومعونة أصحابه.
84
ولعل أقدم الخزائن العربية التي عرفت بعض أخبارها هي خزانة الخليفة الأموي الحكيم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (؟-85)، وكان من كبار علماء المسلمين وعقلائهم، اشتغل بالعلم واهتم بالكيمياء والطب والنجوم فأتقنها وألف فيها رسائل، ولما مات أبوه أجمع بنو أمية على توليه الخلافة، فأقام فيها ثلاثة أشهر ثم غلب عليه حبه كتبه وبحوثه فعزم على ترك الأمر وجمع الناس وخطبهم فقال: إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به، ثم تقلده أبي، ولقد كان غير خليق به، ولا أحب أن ألقى الله تعالى بتبعاتكم، فشأنكم وأمركم. ثم خلع نفسه، ولزم بيته يطالع في كتبه ويدرس إلى أن توفاه الله. قال ابن النديم في الفهرست: كان خالد بن يزيد فاضلا في نفسه له همة ومحبة للعلوم، خطر بباله حب الصنعة - الكيمياء - فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مصر وقد تفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي؛ وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة. وقال الجاحظ: «خالد بن يزيد خطيب شاعر، وفصيح جامع، جيد الرأي، كثير الأدب، وهو أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. وقد وقف هذا الخليفة نفسه على العلم وخدمته، وجمع الكتب وتأليف الرسائل.»