تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن لا يعلم أحدا ما لا يحتمله ذهنه أو سنه، ولا يشير على أحد بقراءة كتاب يقصر عنه ذهنه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في قراءة فن مشكل أو كتاب معضل أو بحث عويص، لم يشر عليه بشيء حتى يمتحنه، فإذا امتحنه سمى له الكتاب الذي يقدر عليه، ولا يمكن طالبا من الاشتغال بعدة فنون لا يستطيع إتقانها معا. (20)

أن لا يدرس وهو منزعج النفس فيه ملل أو مرض أو جوع أو غضب أو نعاس؛ فإن ذلك مضر بنفسه وبطلابه ضررا بالغا. (21)

أن يكون له «نقيب» فطن كيس درب يرتب الطلاب على أقدارهم، ويوقظ منهم الغافل، ويأمرهم بحسن الاستماع والانتباه، ويراقب الذي يمحون به ألواحهم بكونه طاهرا، وأن لا يلقى في أماكن قذرة، ولا يدعهم يمحونها بأرجلهم. (22)

أن يجعل للطلاب أوقاتا معينة يعرضون فيها عليه ما حفظوه من القرآن والكتب، وكان المعلمون قديما يجعلون ذلك عشية يوم الأربعاء وصبيحة يوم الخميس، ويتركون طلابهم أحرارا عشية الخميس وطيلة الجمعة للاستراحة والاستجمام. قال سحنون: وذلك سنة للمعلمين منذ كانوا، فأما بطالتهم كل يوم الخميس فهذا بعيد، إنما دراسة الصبيان أحزابهم وعرضهم إياه على معلميهم في عشي يوم الثلاثاء والأربعاء وغدو يوم الخميس إلى وقت الكتابة، والتخاير إلى قبل انقلابهم نصف النهار، ثم يعودون بعد صلاة الظهر للكتاب أو الخيار

52

إلى وقت صلاة العصر، ثم ينصرفون إلى يوم السبت يبكرون فيه إلى معلميهم؛ وهذا حسن بالغ رفيق بالصبيان. (23)

أن يتركهم أحرارا في الأعياد، وكانوا يبطلون الدرس في عيد الفطر يوما واحدا وربما جعلوها ثلاثة أيام مع بعض الديار الإسلامية، وفي عيد الأضحى ثلاثة أيام وربما جعلوها خمسة، ولا بأس ببطالة بعض الأيام الأخرى كأيام ختمة بعضهم أو غير ذلك من المناسبات المشروعة.

53

المتعلمون وآدابهم

وكما اشترط المربون المسلمون في المعلمين شروطا بيناها في الفصل السابق، اشترطوا كذلك على الطالب شروطا يجب عليه أن يتخلق بها، وقد أسهبوا في بيان ذلك. ونرى أن نذكر هنا أهم تلك الشروط لأنها تعطينا صورة موجزة عما يجب أن يتحلى به الطفل المسلم من أخلاق في الكتاب وغيره: (1)

يجب عليه أن يفهم أنه إنما يتعلم العلم لله وللخير وللدين لا لأمور الدنيا ولا لأي عرض زائل، وأن يحافظ على شعائر الدين ومكارم الأخلاق وإظهار السنن، ويخشى الله، ويطهر قلبه من الصفات الذميمة كالحسد والرياء والعجب واحتقار زملائه والغش، وما إلى ذلك من فاسد الأخلاق. (2)

يجب عليه أن يجد في الدراسة، وينشط في الحفظ والعمل، وأن لا يتأخر عن مواعد الدروس والحفظ. (3)

يجب عليه أن لا يسأل أستاذه أسئلة تعنت وتعجيز، وأن يهذب أسئلته، وأن لا يستنكف عن التعلم ممن هو دونه من رفقائه إذا كان أعلم منه؛ فقد ثبتت في الصحيحين وغيرهما من كتب الأئمة رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وسؤالهم إياهم عن بعض مسائل العلم والدين. (4)

أن لا يعاشر غير إخوانه المجدين من الطلبة؛ فإن الطبع سراق. (5)

أن لا يفتش في ابتداء دراسته عن اختلافات العلماء، وبخاصة في المباحث العقلية والسمعية؛ فإن ذلك مما يفسد ذهنه ويشوشه. (6)

أن لا ينتقل من بحث قديم إلى بحث جديد إلا بعد إتقان البحث القديم، إلا إذا كان ذا مواهب كبيرة وأهلية واسعة، وبعد استئذان أستاذه ومشورته بذلك. (7)

أن لا ينظر إلى «أستاذه» و«نقيبه» بغير الإجلال والاحترام. ويروى عن الشافعي أنه قال: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك - رحمه الله - صفحا رفيقا؛ هيبة له لئلا يسمع وقعها . ويروى أن الإمام يحيى بن سعيد القطان كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة له وإعظاما. (8)

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٢٨