أن يبجل أستاذه في حضوره وغيبته، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعيد، بل يقول له: يا سيدي، يا أستاذ، يا أيها المعلم، يا أيها الحافظ، ويخاطبه بصفة الجمع، ويذكره في غيبته بقوله: قال الشيخ، أو قال شيخنا، أو قال شيخ الإسلام، أو حجة الإسلام، أو غير ذلك. (9)
أن يصبر على بعض هفوات أستاذه أو جفوته أو سوء خلقه. قال الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك! فقال: هم حمقى إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي. (10)
أن يسبق أستاذه في الحضور إلى المكتب أو الحلقة، وأن يجلس في حضرته بأدب ويتعاهد تغطية قدميه وإرخاء ثيابه، ولا يستند بحضرته إلى حائط أو مخدة، ولا يدير إليه ظهره أو ما أشبه هذا. (11)
أن يلقي بسمعه إلى الشيخ وهو شهيد لما يلقيه؛ بحيث لا يحيجه إلى إعادة الكلام، ولا يلتفت ولا يتمخط ولا يتمطى ولا يتثاءب ولا يتجشأ ولا يضحك إلا بقدر. (12)
أن لا يأكل ما يفسد عليه ذوقه وفهمه أو يضر بصحته أو ينسيه، أو يسبب إفساد صحته وسوء فهمه.
54 (13)
أن يقلل النوم حتى لا يلحقه الضرر من ذلك في بدنه وذهنه، وأن لا يزيد في نومه في اليوم والليلة على الثماني ساعات وإلا تبلد ذهنه، وأن ينشط ذهنه بالترويح عن النفس في التفرج على المستنزهات والرياضة. قال ابن خلكان في ترجمة الفارابي: وكان الشيخ مدة قيامه بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض يؤلف هناك كتبه ويتناوبه المشتغلون عليه.
55 (14)
أن لا يسيء معاملة أستاذه أو يسخر منه، أو يقوم هو ورفقاؤه من الأطفال ببعض الأعمال الشائنة التي تحط من قدر الأستاذ أو تجعله أضحوكة بين التلاميذ أو الناس. وينبغي على شيخ الكتاب إذا رأى من أطفال كتابه عملا أو قولا أو حركات يراد بها الاستهزاء به أن يتظاهر بأنه مطلع على حركاتهم هذه، وأنه سيعفو عنهم هذه المرة، فإن كرروا العمل عاقبهم عقابا شديدا ليرهبوه وينزجر بهم رفقاؤهم، وينبغي عليه أن لا يثور عليهم ثورات تدل على حمقه أو سخفه. وقد اتهم معلمو الكتاتيب منذ القديم بأنهم حمقى حتى ضربت بهم الأمثال في ذلك؛ قال الجاحظ: ومن أمثال العامة أحمق من معلم كتاب. وقد ذكرهم صقلاب فقال:
وكيف يرجى الرأي والعلم عند من
يروح على أنثى ويغدو على طفل
وقال بعضهم: لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء ... وقد سمعنا في المثل «أحمق من راعي ضأن ثمانين.» فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون صوابا وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ... وقد سمعنا قول بعضهم «الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين.» وقال: «الحاكة أقل وأسقط من أن يقال لهم حمقى، وكذلك الغزالون؛ لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش، والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال ... وما زلت أسمع هذا القول في المعلمين. والمعلمون عندي على حزبين؛ منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى أولاد الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة، فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل حمزة بن علي الكسائي ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب وأشباه هؤلاء يقال لهم حمقى؟! ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم، فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى، فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم، وكيف نقول مثل ذلك وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء مثل عبد الحميد الكاتب و...»
56
والحق أن المعلمين هم الصفوة المختارة الذين نذروا نفوسهم لتعليم أبناء الأمة ، وأذابوا نفوسهم لإضاءة الطريق أمام الجيل الصاعد، وإن ظهر من بعضهم سخف أو حمق فهو كالذي يظهر من غيرهم من طبقات الناس كالمهندسين والأطباء وغيرهم.