25
وكان هدفهم في هذه المجالس نشر التعليم الديني وتثقيف العامة بتفسير بعض آي القرآن الكريم، وسرد ما يحفظونه من أحاديث الرسول وما وعوه من حكيم الشعر والنثر. وكانوا يمزجون ذلك كله بما تناقل إليهم من أخبار الماضي من عرب وغير عرب،
26
ولم يقتصر أمر القصص على الحجاز؛ فقد وردت أخبار كثيرة عن جماعة من القصاص في الأقطار الإسلامية الأخرى.
فقد رووا أن سليمان بن عتر التجيبي قاضي مصر في سنة 38ه كان يقص على الناس في مسجد عمرو بن العاص بالإضافة إلى وظيفة القضاء التي كان يتولاها،
27
ويظهر أن كثيرا من القضاة في الأمصار الإسلامية كانوا يقصون على الناس في المساجد الجامعة.
28
ومما يجب أن نلاحظه أن التعليم كان يماشي القصص، ولا نستطيع أن نميز بين النواحي التعليمية والنواحي القصصية في عمل القصاصين؛ فإنهم كانوا يمزجون بين معلوماتهم ومواعظهم مزجا يصعب معه التمييز بينهما، وقد كان لهؤلاء القصاص كراسي يجلسون عليها، ويشرفون منها على طلاب الفقه والحديث وطلاب العلم والمعرفة، كما كانوا يحلقون حولهم حلقات صغيرة أو كبيرة تختلف بحسب شهرة القاص وبراعته في اجتذاب قلوب الناس إليه، وسعة علمه.
وهكذا نستطيع أن نقول إن «أصحاب الكراسي» هؤلاء كانوا هم أول طبقة للمعلمين في الإسلام.
وكان نشاط «أهل الكراسي» هؤلاء نشاطا عاما في الديار الإسلامية كلها في المغرب والمشرق منذ أيام بني أمية إلى العصر العباسي،
29
وكذلك كان شأن الفاطميين في مصر؛ فإنهم منذ أن دخلوا مصر واستولوا على الأمر فيها ألفوا هؤلاء الوعاظ والقصاص يقومون بإرشاد الناس وتعليمهم في مساجد القاهرة، وبخاصة في مسجد عمرو ومسجد ابن طولون.
30
ومما هو جدير بالإشارة إليه أن الفاطميين كانوا يقيمون حلقات للقصاص في قصورهم يقرءون فيها آيات من القرآن، وبضعا من الأحاديث النبوية والأخبار المروية عن آل البيت، ثم يعلقون على ذلك بما فيه تأييد للمذهب الفاطمي.
31
ولما كثر عدد هؤلاء القصاص وانضم بينهم نفر من الغلاة أو السذج الذين كانوا يتساهلون في رواية الأخبار والأقاصيص الإسرائيلية، انتصب لهم العلماء العاملون والأئمة الصادقون ينتقدونهم، ويحذرون الناس من أباطيلهم وترهاتهم، حتى إن بعض المؤلفين كأبي طالب المكي صاحب «قوت القلوب» لم يضعوا هؤلاء القصاص في الطبقة الرفيعة من رجال الدين أمثال المتكلمين والزهاد والفقهاء، بل جعلهم طبقة أحط منهم قدرا.
32
أما أسلوب الوعاظ الأولين في وعظهم وطرائق قصصهم فقد ضاعت؛ لأن قدماء القصاص لم يحفظوا لنا قصصهم في مدونات، وإنما نعثر على فقرات منه ونماذج من أسلوبه في بعض كتب الأدب القديمة، أو رسائل الصوفية العتيقة، أو كتب بعض الوعاظ المتأخرين أمثال الجاحظ في «البيان والتبيين» وابن عبد ربه في «العقد»
33
وابن الجوزي في «التبصرة» وغيرها من كتبه، والزمخشري في «ربيع الأبرار» وغيرها.
34
ومما يؤسف له أشد الأسف أن هذا القصص، الذي كان في صدر الإسلام وسنيه الأولى عنصرا من عناصر التثقيف والتوجيه والتعليم، أضحى في العصور المتأخرة - أي في القرن الرابع والخامس وما بعدهما - مملوءا بالأباطيل والإسرائيليات والأسجاع السخيفة المملة التي لا غناء كبيرا فيها،
35
كما يتجلى ذلك في «مدهش» ابن الجوزي. وقد اضطر هذا الأمر المفكرين والكتاب والنقاد أن يقسموا القصص إلى نوعين اثنين؛ أحدهما: قصص العامة، والثاني: قصص الخاصة. أما قصص العامة الذي كان رواده من العوام والسوقة فقد كانت موضوعاته تافهة، أما قصص الخاصة فقد كان دروسا في الدين والتوحيد والعلم، وكان يقوم به نفر من كبار الأئمة والمجتهدين الفضلاء. وقد حمل المقريزي على قصص العامة وقال إنه أمر مكروه لا خير فيه.
36
ويذكر ابن الحاج أن الإمام مالك بن أنس، وعبد الله بن عمر، وأبا داود كانوا يحملون على قصص العامة، وأن الإمام عليا طرد أصحابه من مسجد البصرة، وأن الخليفة المعتضد بالله منعهم من الجلوس في المساجد سنة 284ه وحظر عليهم أن يلتف الناس حولهم ...