16
فهذا النص يدل على أن هذا المسجد كان قبل مقدم رسول الله إلى المدينة مهاجرا، وأن أسعد كان يجمع فيه الجمعة، وأن الرسول بناه على الشكل الذي رأينا أول مقدمه إلى المدينة، وأنه ابتناه على هذا الشكل الساذج. ويقول الرواة إنه ظل طول عهد أبي بكر كما كان في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم ؛ قال البلاذري: فلما استخلف أبو بكر - رضي الله عنه - لم يحدث في المسجد شيئا، واستخلف عمر فوسعه لما ضاق بالمسلمين، ثم إن عثمان بن عفان بناه في خلافته بالحجارة والقصة،
17
وجعل عمده حجارة وسقفه بالساج وزاد فيه ونقل إليه الحصباء ...
18
ولما تولى بنو أمية وشرعوا في بناء المساجد الضخمة في الشام ومصر وإفريقية والعراق والمشرق، أمر الوليد بن عبد الملك بإعادة بناء المسجد النبوي على شكل ضخم فخم، كما أمر بتوسعة مسجد المدينة،
19
ولم يكن المسجد النبوي هو الوحيد في الحجاز، بل كانت ثمة غيره.
20
ولما شيدت المساجد الإسلامية العظمى في الأمصار كالفسطاط والقيروان والكوفة والبصرة، بنوها على نمط مسجد الرسول ، وأول المساجد التي شادها المسلمون خارج الجزيرة مسجد الكوفة؛ فقد بني في سنة 17 للهجرة، ويحدثنا الطبري والبلاذري أن المسجد أول شيء خط في الكوفة وأنهم بنوه كالمسجد النبوي مربعا في حدود ... وجعلوا له صحنا وبيتا للصلاة، إلا أنهم لم يقيموه على جذوع النخيل كالمسجد الأموي أول ما بني، بل على أعمدة من الحجر وسقفوه بألواح من الخشب.
21
وفي تلك السنة أيضا أعاد أبو موسى الأشعري بناء مسجد البصرة لما كان واليا عليها، وبناه على النمط الذي بني عليه مسجد الكوفة، وقد كان بناه أولا عتبة بن غزوان في سنة 14ه لما اختط المدينة. وفي سنة 21ه أقيم في الفسطاط بمصر مسجد ضخم له ظلة وسقف وصفوف من الأعمدة الحجرية، شاده فاتح مصر عمرو بن العاص أول ما افتتح المدينة. وفي سنة 50ه بنى فاتح إفريقية عقبة بن نافع مدينة القيروان واختط فيها المسجد الأعظم المعروف في أيامنا هذه بمسجد سيدي عقبة.
وكل هذه المساجد الجامعة إنما بنيت ببساطة لم تحوج بناتها إلى الاستعانة بالمعابد أو الكنائس المصرية والإفريقية أو الرومية كما يزعم المستشرقون. قال الأستاذ أحمد فكري في كتابه عن مسجد القيروان: «... فواجبات الصلاة إذن وفروضها وسننها وعادات العرب وطبيعة بلادهم؛ كل هذه دون غيرها كانت الأساس في تكوين نظام البيت الذي يجتمع فيه المسلمون للصلاة، وهي الأساس في تكوين مسجد الرسول بالمدينة، وإن لبيت الصلاة عنصرا آخر هو المحراب ... وقد اتفق المؤرخون وعلماء الآثار على أنه لم يدخل في نظام مساجد الإسلام الأولى ... ولكننا لا نذهب إلى مثل ما ذهبت إليه غالبيتهم من أن هذا العنصر من المسجد مشتق من الكنائس أو أنه محور من محاريبها ... فمحراب الكنائس فناء كبير في صدر الكنيسة يتسع على الأقل لمنضدة توضع عليها معدات الشعائر والمراسيم، وفضاء فسيح يروح فيه القائم بهذه الأشياء ويغدو من غير عائق، أما محراب المسجد فهو جوفة في حائط لا تتسع لغير ركوع الإمام وسجوده وجلوسه. والاختلاف شديد بين الوظيفة التي يؤديها هذا والمهام التي يسعها ذلك ...»
22
وفي المسجد النبوي والمساجد الأولية الأخرى التي شيدت في عهد النبي وخلفائه كانت تقوم حلقات العلم ومجالس القصاص الذين كانوا يذكرون الناس ما نسوا من أمر الآخرة، ويعلمونهم أمور دينهم، ويمزجون ذلك ببعض ضروب من العلم والحكمة والمعرفة والموعظة الحسنة من نثر ونظم. وقد ظهر هؤلاء القصاص في زمن مبكر جدا،
23
ويقال إن أول من قص في المسجد النبوي هو الصحابي الفصيح العالم تميم الداري،
24
فقد رووا أنه كان يحلق حوله حلقات يعظ فيها الناس في مسجد النبي كل يوم جمعة قبل الصلاة في أيام عمر بن الخطاب، فلما استخلف عثمان بن عفان استأذنه تميم أن يقوم في الناس مرتين للوعظ والإرشاد فأذن له بذلك، فلما جاء عهد علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وأخذ الخليفتان - حين وقعت الفتنة بين المسلمين في تلك الآونة - يتخذان قصص القصاص آلة للدعاوة لهما، والدعاء على أعدائهما والتنفير منهم وانتقاص أهل الفتنة،