37
ومهما يكن من شيء فإن القصص بنوعيه، وعلى الرغم مما صار إليه من انحطاط، كان مدرسة شعبية أفاد عوام الناس منه معلومات وأخبارا قد استنارت بها عقولهم، وزكت بها نفوسهم. •••
وأما حلقات مجالس التعليم الخاصة في القصور والدور، فقد ورد عنها الكثير في كتب الفقه والأدب والتاريخ، ونقلت إلينا نصوص عديدة تدل على أنه كان للقوم مجالس للتعليم يعقدونها في قصور المدينة ودمشق والعواصم الإسلامية الأخرى، كما أن دور بعض العظماء والوجوه كان يعقد فيها مجالس للتعليم والمناظرة والإفادة.
أما الأسواق العامة فأمرها في التعليم أشهر من أن يذكر، وقد كان هذا الأمر معروفا في الجاهلية، وأخبار أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز والطائف وغيرها كثيرة منثورة في كتب الأدب والتاريخ والسيرة، ولقد لعبت هذه الأسواق في الجاهلية وصدر الإسلام - بل وفي العصر الأموي - دورا هاما في نشر العلم وحفظ التراث الفكري والعقلي والأدبي في الجاهلية والإسلام.
والحق أن الخلفاء والأمراء الذين كانوا يهتمون بالنواحي الثقافية والنشاط العلمي كانوا يجمعون في قصورهم مشاهير العلماء في كافة فروع العلم والأدب ويستمعون إلى مناقشاتهم، وكثيرا ما كانوا يشاركونهم هم أنفسهم في ذلك النشاط العلمي.
38
وقد تطور أمر هذه المجالس في القصور إلى مجالس كانت تعقد في المحلات العامة كالطرقات والأندية، يتناقش فيها العلماء ويتناظرون أمام الجمهور بشكل جذاب ومفيد.
39
ومن أشهر مجالس الأماكن العامة مجالس المربد وحلقاته في البصرة، وقد كانت تضم إلى علماء المدينة وأئمتها جمهرة كبيرة فاضلة من علماء البادية ورواة أخبارها، الذين كانوا يقصدون «المربد» للامتياز والمشاركة في ذلك النشاط الأدبي والنحوي واللغوي بصورة عامة.
وكان العلماء والإخباريون الحضريون يرحبون بمقدم هؤلاء البدو الأذكياء ليفيدوا من علمهم ورواياتهم، وكان كثير من طلاب العلم يقصدون تلك المجالس ليدونوا ما يجري فيها من الأحاديث، أو لينقلوا عن علماء البادية ما يحفظون من أخبار قبائلهم وأنسابها وأشعارها ومنثورها. وفي «المربد» أيضا كان جرير والفرزدق والأخطل وأصحابهم يلقون قصائدهم ومعارضاتهم. وقد ظل هذا الأمر طوال العصر الأموي، فلما جاء العصر العباسي وكثر العلماء ازدادت الحركة في تلك الأسواق العلمية وأضحت في فجر العصر العباسي «مدارس» منظمة إن صح استعمال هذا التعبير.
وكان كثير من أئمة النحو واللغة أمثال الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء وقطرب والكسائي والخليل وسيبويه و... يقصدونها ويفيدون منها، بل إن كثيرا منهم اعتمد في تثقيف نفسه وتخريجها على ما حفظه من رواة البادية الفحول الذين كانوا يقصدون تلك الأسواق العلمية. (1-2) الكتاتيب ومعلموها
الكتاتيب:
عني العرب منذ «الجاهلية» وصدر الإسلام بأطفالهم عناية خاصة؛ فأبناء الخواص منهم كانوا يلقون عناية شديدة لتثقيفهم روحيا وتربيتهم جسمانيا،
40
كما أن أبناء العوام لم يكن أمرهم مهملا. يقول المستشرق دييس في دائرة المعارف الإسلامية: إن التعليم في مدارس الأطفال «الكتاتيب» كان أقدم من التعليم الذي جاء به الإسلام؛ بحيث إن الطفل الجاهلي كان يلقن مبادئ القراءة والكتابة، وكذلك كان الأمر في صدر الإسلام، وقد كان ليهود المدينة أثر واضح في تعليم أطفال العرب،
41
ويقول البلاذري نقلا عن الواقدي وغيره: «كان الكتاب (أي الكتابة) بالعربية في الأوس والخزرج قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول؛ فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون ...»
42
ويقول الإمام محمد بن سحنون في رسالته «آداب المعلمين» مما دونه عن أبيه سحنون عن الصحابي الجليل أنس بن مالك أنه قال: «إذا محت صبية الكتاب تنزيل رب العالمين بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره.» قيل لأنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة، وكل صبي يجيء كل يوم بنوبته ماء طاهرا فيصبه فيها فيمحون به ألواحهم. وقال أنس: ثم يحفرون له حفرة يصبون ذلك الماء فينشف.