تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما أرباب الفريق الثاني، وهم الذين قالوا إن المسلمين أخذوا ترتيب مساجدهم في المدينة عن معبد أهل مكة وهو الكعبة، فقد يكون لهؤلاء النفر شيء من الحق، ولكن المعلومات الصحيحة عن وضعية الكعبة ووصفها قبل الإسلام مجهولة أو كالمجهولة، وكل ما يعتمد عليه هؤلاء العلماء من حجج إنما هو أقوال لم تثبت صحتها.

وأما أرباب الفريق الثالث، وهم الذين قالوا بأن المسجد الإسلامي نشأ في زمن الرسول ساذجا كما نشأت التعاليم الإسلامية ساذجة، وكما نشأ الدين نفسه ببساطة ما بعدها بساطة، فإن هناك نصوصا كثيرة وأدلة عديدة تثبت ما ذهبوا إليه.

منها: أن القرآن الكريم نص في آيات كثيرة على أن المسلمين كانت لهم «مساجد» في حياة النبي لا كما يزعم أرباب الفريق الأول، فقد قال الله تعالى:

ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ،

8

وقال أيضا:

إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ،

9

وقال أيضا:

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ،

10

وقال تعالى:

ومساجد يذكر فيها اسم الله ،

11

وقال أيضا:

ومن أظلم ممن منع مساجد الله ،

12

وقال تعالى:

وأنتم عاكفون في المساجد ،

13

وقال أيضا:

وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا .

14

فهذه «المساجد» و«البيوت» بصيغة الجمع تدل على أن المسلمين في حياة الرسول

صلى الله عليه وسلم

كان لهم أكثر من مسجد يقيمون فيها شعائر الله.

ومنها: أن سورة الجمعة قد نص فيها على أن الله قد فرض على المسلمين صلاة معينة في ذلك اليوم اسمها «صلاة الجمعة»، وأن هذه الصلاة لا تصح إلا في مسجد جامع كبير. كما أن الآثار الكثيرة المتواترة دلت على وجوب «صلاة الجمعة»، وهذه لا تكون إلا في «مسجد»، ولعل كلمة «جمعة» و«جماعة» وكلمة «جامع» التي تدل على الكثرة والتجمع، تقوم دليلا على أن المسلمين في عهد الرسول كانوا «يتجمعون» في أماكن متعددة للصلاة، وبخاصة صلاة «الجمعة» التي كانت تقام في عهد الرسول، والتي قال الله تعالى في حقها:

يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ،

15

ومعنى هذا أن الله يأمر كافة المسلمين أن يسعوا إلى مكان واحد يتجمعون فيه لأداء صلاة «الجمعة»، وأنه يجب عليهم أجمعين ترك أعمالهم وغلق محلاتهم التجارية والالتقاء في مكان واحد لتأدية هذه الشعيرة المفروضة، وقد صح أن المسلمين كانوا يؤدونها في عهد الرسول وفي مسجده؛ فلا شك إذن في أنه قد كان للمسلمين مسجد جامع تقام فيه «الجمعة» و«الجماعات».

ومنها: أن أقدم مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي - كسيرة ابن اسحق وطبقات ابن سعد - قد نصت على أن الرسول

صلى الله عليه وسلم

لما دخل المدينة أقام مسجده في المربد الذي وقفت عنده ناقته، وأنه كان مربدا لسهل وسهيل - غلامين يتيمين من الأنصار - وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير. وقال معمر عن الزهري: أمر أبو بكر أن يعطيهما ذلك، وكان جدارا مجدرا ليس عليه سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلي بأصحابه فيه ويجمع بهم في الجمعة قبل مقدم رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فأمر رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان بالمربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت وأمر بالعظام أن تغيب، وكان بالمربد ماء مستنجل فسبروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، ومن هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، وكان يقال أقل من مائة ذراع، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن، وجعلت قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله وهو الباب الذي يلي باب آل عثمان، وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع وسقفه الجريد ...

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٢١