32
وقول أستاذنا هذا مردود لأمرين؛ أولهما: أن الاستبدادية التي كان عليها بنو أمية لم تكن لتمنعهم من الانصراف إلى العلم، فأية علاقة لنشر العلم والحض عليه وتعميمه بين طبقات الناس باستبداد الحكام، فقد كان ممكنا مع استبداد الخلفاء الأمويين وضغطهم على الناس وقهرهم ... وحبهم للشعر وتشجيعهم للشعراء والمادحين أن يهتموا بنشر العلم ويشجعوا العلماء والفقهاء كما شجعوا الشعراء وعطفوا عليهم؛ فإن هؤلاء أيضا يكونون ألسنة لهم في المجالس العامة والخاصة، بل إنهم أكثر صلة بالناس من أولئك، ثم إنه لا مانع من أن ينتشر أحد الأمرين إذا ما انتشر الأمر الثاني. وثانيهما: أن البداوة التي كان يميل إليها بنو أمية والنزعة العربية التي كانوا يتعشقونها لا يمكن أن تحول بينهم وبين حب الفقه والعلم والفلسفة، كما أحبوا الشعر والأدب؛ فقد حفظت لنا المصادر نصوصا كثيرة تدلنا على أن منهم من كان يحب العلم والفلسفة والدين غير من ذكره الأستاذ، كما تدل على حبهم للعلم وتشجيعهم أهله وعطفهم على الفقهاء وأهل الدين بصورة خاصة،
33
فهناك أدلة كثيرة تثبت ما ذهبنا إليه، وتنقض رأي الأستاذ؛ فمن ذلك ما يرويه لنا المؤرخون من أن عبد الملك وابنه سليمان وعمر بن عبد العزيز كانوا يرعون الإمام رجاء بن حيوة، ويقدمون إليه كل ما يحتاج إليه في سبيل نشر العلم وتوطيد أركان الثقافة، ومن ذلك أن خلفاء بني أمية أحاطوا الإمام الأوزاعي بكل ضروب الإكبار والرعاية، وأعانوه على إتمام بحوثه العلمية ونشر مذهبه الفقهي في أرجاء البلاد، وقد كلفوه بإقامة حلقات الدرس في جامع دمشق، بل وفي قصورهم فيها.
34
ثم إن نشاط بني أمية في الحركة الفلسفية والعقائدية لم يكن أقل من نشاطهم في تشجيع الحركة الفقهية؛ فقد رووا أن معاوية بن أبي سفيان أحضر البطريرك اليعقوبي تيودوروس وأسقف قنسرين ليناظرا نصارى لبنان في حضرته وبحضور نفر من العلماء، حين أخذوا يدعون إلى بعض عقائدهم ويدعون أنها الصحيحة وحدها.
35
كما رووا أيضا أن عمر بن عبد العزيز كان يناقش بنفسه بعض الخوارج في معتقداتهم المذهبية.
36
وقالوا أيضا إن هشام بن عبد الملك كان أوصى غلامه سالما الرومي بالتنقيب عن بعض كتب الحكمة اليونانية القديمة لجمعها وترجمتها إلى اللغة العربية، وإن مما ترجم سالم هذا بعض آثار أرسطو ... وإذا صح هذا كان أول ترجمة عربية للفلسفة اليونانية،
37
ورووا أيضا أن سليمان بن عبد الملك قال: «عجبت لهؤلاء الأعاجم! ملكوا ألف سنة فلم يحتاجوا إلينا ساعة، وملكنا مائة سنة فلم نستغن عنهم ساعة.»
38
ولا ريب في أن سليمان لم يقصد بالاستعانة بالأعجام إلا في النواحي الثقافية والحضارية والإدارية، أما فيما عدا ذلك فإن بني أمية معروفون ببغضهم لكل ما هو غير عربي. وقال الراغب الأصفهاني: إن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية من يقول لهم: ما أشد ما مر بكم في الحبس؟ فقالوا: ما فقدنا من تأديب أولادنا ...
فهذه الأقوال وغيرها تدل دلالة قوية على أن للأمويين نشاطا في ميادين العلم والحكمة والفلسفة والتشريع، وعناية بوضع بذور الحركة الثقافية والعقلية في الإسلام.
فليس من العدل أن نغمط حق بني أمية - غفر الله لهم - في هذا المضمار، وليس من الحق أن نعدل عن إنصافهم في هذا الباب، وليس من الإنصاف مقارنتهم ببني العباس، فأين زمان هؤلاء من زمان أولئك؟ وهل يقاس القرن الأول للهجرة والإسلام غض الإهاب، رطب العود، مبتدئ الحركة، بالقرنين الثالث والرابع اللذين اكتملت فيهما قوى الإسلام واشتد ساعده؟
والحق أنه لما تولى الخلافة بنو العباس وجدوا الطريق معبدة أمامهم؛ فقد كان سابقوهم من بني أمية وبني مروان شرعوا في أمر الترجمة عن كتب اليونان والفرس والهند، وبدءوا في وضع بذور غراس العلم والحكمة والجدل وعلوم الدين، فتمم بعدهم بنو العباس ما كانوا شارعين به، وعنوا عناية زائدة بنشر علوم الدين والحكمة، وبخاصة علوم الأدب وما إليه من شعر ونثر وعربية، حتى ازدهرت العلوم والفنون وبلغت أوجها في عهدهم مما لا مجال للتحدث عنه الآن، ولكن لا يسعنا أن نهمل ناحية من نواحي نشاطهم العلمي في هذا الصدد، ألا وهو تأسيسهم لبعض المؤسسات الثقافية، كدور الكتب ودور الحكمة التي كان يتولى أمرها بعض كبار العلماء كالفيلسوف الترجمان سلم الذي أخذ ينقب عن مهرة التراجمة وكبار الفلاسفة، ويعهد إليهم بالعمل معه لوضع أسس الحركة الفلسفية المنظمة على ما سنفصله فيما بعد،