تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

والحق أن ما عمله سلم هذا كان نواة للحركة العلمية الرسمية إن صح هذا التعبير.

| الفصل الثاني

(1) المؤسسات التعليمية عند العرب قبل تأسيس المدرسة

كانت المساجد والكتاتيب وبعض الأماكن العامة والخاصة هي المؤسسات العلمية الأولية عند العرب في عهد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وخلفائه الراشدين، وفيها كان المسلمون الأولون يتلقون هم وأبناؤهم وبناتهم ومواليهم آيات الكتاب المبين، وعلم الفرائض والدين، كما تدل على ذلك مئات الأحاديث والآثار المروية عن الرسول وصحابته وتابعيه.

1

وكان العلماء والمتعلمون يتذاكرون في المسجد النبوي بالمدينة، والمسجد الحرام بمكة، والمساجد الأخرى في سائر العالم الإسلامي، وفي الدور، والمجالس في الأماكن الخاصة والعامة ... ضروب العلم من دين وأدب وتاريخ وسير ومواعظ وعبر، ويفتون من يسألهم في أمر من هذه الأمور. ولما آلت الخلافة الإسلامية إلى بني أمية تطور الأمر في سبيل الاستكمال على ما بينا في الباب السابق. وكان إلى جانب تلك المؤسسات العلمية التي ذكرناها مواطن جديدة للتعليم، وهي قصورهم وقصور كبار أمرائهم، ومنازل الأعيان والوجوه الذين استقرت أحوالهم أيام هذه الدولة، وبعد أن توسعت الفتوح وكثرت الأموال وسارت الحياة الاجتماعية في طور حضاري جديد.

وقد كانت هذه القصور والدور عونا لتلك الأماكن العامة والخاصة في نشر العلم وتسهيل سبل تعميمه؛ فقد كان يعقد فيها كثير من حلقات الآداب والعلوم والفقه والحديث والحكمة، كما كانت تقام بعض الحلقات العلمية في بعض الطرقات والأسواق.

2

وقد ظلت هذه الأماكن جميعا من مساجد وخزائن كتب وقصور ودور وطرقات مراكز الحركة العلمية في البلاد الإسلامية، منذ فجر الإسلام إلى أن ظهرت المدرسة بمعناها الصحيح في أواخر القرن الرابع للهجرة، وسنبين فيما يلي أحوال تلك المؤسسات العلمية وتطور أمرها منذ أن وجدت إلى أن تأسست المدرسة. (1-1) حلقات المساجد والقصاص والمجالس الخاصة والعامة

انقسم علماء الآثار الإسلامية من العرب والمستشرقين الذين اهتموا بدراسة المعاهد الإسلامية الخاصة بالعبادة أو بالدراسة إلى فرقاء ثلاثة:

فريق أول:

وهو غالبية المستشرقين، فقد ذهبوا إلى أن معاهد العبادة الإسلامية قد اقتبست نظام بنائها، وأسلوب ريازتها

architecture

من نظام الكنائس المسيحية والمعابد الكلدانية والسريانية في العراق، وسورية ومصر، وحجة هؤلاء هي أن المسلمين لم يتخذوا المساجد للعبادة إلا بعد أن توفي النبي وخرج المسلمون في الفتوح خارج الجزيرة العربية، فاتصلوا بأهل هاتيك الديار وعرفوا شيئا كثيرا عن أماكن عبادتهم؛ إذ إنه لم يكن لهم قبل ذلك أمكنة للعبادة سوى صحن منزل الرسول في المدينة. وعلى رأس هذا الفريق من العلماء البرنس كايتاني، والكابتن كريسويل، والبروفسور بدرسون.

3

وفريق ثان:

يرى أن المعاهد الإسلامية - وعلى رأسها «المسجد» - قد اقتبست صورتها ونظامها البنائي من «الكعبة»، فإنها المكان المقدس الذي رآه المسلمون قبل الإسلام وبعده وتعلقوا به، فطبيعي أن يقلدوه فيبنوا أمكنة عبادتهم على نسقه. وعلى رأس هذا الفريق من العلماء والباحثين المستشرقان لين بول ودييس. وحجتهما أن الكعبة هي البناء الديني العتيق الذي رآه المسلمون في بلادهم قبل إعلان الدين الجديد، فلما أرادوا أن ينشئوا أمكنة عبادة للدين الجديد اقتبسوا نمط ذلك المكان من الكعبة،

4

وقد يكون هذا الرأي صحيحا لو أن معلوماتنا وافرة عن الكعبة ونظامها البنائي والتعبدي في الجاهلية، ولكن ما نعرفه عن ذلك قليل جدا لا غناء فيه.

وفريق ثالث:

وهو غالبية الباحثين من العرب والمسلمين، يرون أن المعاهد الإسلامية قد وجدت منذ صدر الإسلام، وأن الرسول كما اتخذ من صحن بيته الساذج البسيط في حيطانه وسقفه مسجدا للمسلمين، كذلك اتخذ الرسول مساجد جامعة أخرى ليصلي فيها المسلمون ويقوموا بشعائر دينهم. وليس لبناء هذه المساجد أية علاقة بالكنائس المسيحية أو غيرها من أماكن العبادات عند الأمم الأخرى.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ١٩