صلى الله عليه وسلم .
18
وأما الزكاة، فهي صدقة تعطى لبيت المال كما تعطى للفقراء بشرائط معينة. وقد كان للعرب قبل الإسلام أنواع من الصدقات يعطونها للفقراء أو الحكام. قال المجد الفيروزآبادي في القاموس: ««مكس» في البيع إذا جبى مالا، والمكس الظلم ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو دراهم كان يأخذها بعد فراغه من الصدقة.» وقال ابن الأثير في النهاية في شرح قوله
صلى الله عليه وسلم «إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه»: أي إن وجدتم من يأخذ العشر على ما كان يأخذه أهل الجاهلية مقيما على دينه،
19
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «يا معشر العرب، احمدوا الله الذي وضع عنكم العشور.» وقال الرسول
صلى الله عليه وسلم : «ليس على المسلم عشور، إنما على اليهود والنصارى.» ففي هذه النصوص والأحاديث ما يدل على أن العرب قبل الإسلام كانوا يزكون أموالهم، ويدفعون جزءا من أموالهم للحكام.
وأما الحج، فكانوا يقومون به، وهو مما ورثوه من ديانة إبراهيم - عليه السلام - فقد كان العرب يعظمون الكعبة - ولو كانوا نصارى أو متهودين أو متمجسين - فكانوا يحجون ويعتمرون ويحرمون ويطوفون ويمسحون الحجر الأسود ويسعون بين الصفا والمروة ويلبون ويقفون المواقف كلها ويهدون الهدي ويرمون الجمرات وغير ذلك من مشاعر الحج
20
التي تبناها الإسلام واستبقاها من طقوسه.
فإذا كانت هذه هي حال أركان الإسلام الخمسة، تبين لنا سخف نظرية هؤلاء المستشرقين الذين يريدون أن ينسبوا كل شيء جاء به الرسول العربي إلى تقاليد اليهود والنصارى ومحاكاة الأمم الأخرى ناسين أو متناسين أنه
صلى الله عليه وسلم
نشأ في بيئة لها ثقافتها، وتربى في إقليم له حضارته، فيجب أن يظهر أثر ذلك في تعاليمه، كما يجب أن يتجلى طابع بيئته في طقوس دينه، وليس في هذا ما يضير الدين السماوي، ولا ما يضع من قدر النبي، أو يغض من سمو رسالته؛ فإن لله نواميس لا يخالفها.
بعد هذه المقدمة التي بينت لنا أن العرب لم يكونوا في جاهلية دينية عمياء، وأن من وصموهم بها كانوا مخطئين، ننتقل إلى بيان الحالة العقلية للعرب قبل الإسلام فنقول: إن أبرز ما تتجلى به العقلية العربية هو: نظرات أهلها العميقة في الألوهية، وتفوقهم اللغوي، ورقي مستواهم الأدبي، وسعة نظراتهم في بعض نواحي العلم، ونشوء الكتابة بينهم على ما بيناه آنفا. (2) نبذة مما ورد في الإسلام عن فضل العلم والتعلم
وردت في القرآن وفي كتب السنة نصوص كثيرة تحض على التعلم، وتبين فضل العلم وتهدي إلى طرق تربية المتعلمين وتأديبهم، كقوله سبحانه وتعالى:
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ،
21
وقوله:
إنما يخشى الله من عباده العلماء ،
22
وقوله:
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ،
23
وقوله:
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ،
24
وقوله:
بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ،
25
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. وليس العلم والذكر في هذه الآيات هو علم الدين وحسب، بل هو كل علم نافع يرفع من قدر الإنسان وينمي عقله ويجعله أكثر خبرة بالحياة واطلاعا على أحوالها.
وفي كتب السنة أحاديث عديدة رويت عن المعلم الأعظم؛ ففي صحيح البخاري في كتاب العلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.» وفيه أيضا: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء.» وقال
صلى الله عليه وسلم
لعلي - رضي الله عنه: «... فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.» وقوله لمعاذ لما بعثه لتعليم أهل اليمن: «لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها.» وقال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» وفي رواية أخرى «ومسلمة.» وقال: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة.» وقال: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان له كأجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا فله أجر حاج تام الحجة.»