تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما التوحيد فقد عرفه عرب الجاهلية لا خاصتهم فحسب، مثال خالد بن سنان الحكيم المتأله (40ق.ه)

8

وأكثم بن صيفي الواعظ الرشيد (9ه) وغيرهما، بل عامتهم. وليس هذا القول بالقول العجيب؛ فإن الحقيقة التي جاء بها إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - والتي تقول بتوحيد الله وتصفه بالكمال والجلال والقدرة والعلم وغير ذلك من صفات التنزيه؛ كانت معروفة - بل وشائعة - بينهم، وإن الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة ما اخترعتها عقول العرب إلا للتقرب بهم إلى الله العلي القدير، قال تعالى:

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ،

9

وقال أيضا:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ،

10

وقال:

ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ،

11

وقال:

هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ،

12

وقال:

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ،

13

وقال:

الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم * ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ،

14

فهذه الآيات وغيرها تدل على أنهم كانوا مؤمنين بالله القوي العزيز العليم الخالد الضار النافع الرزاق، وأن هذه الأصنام والتماثيل وسائط وشفعاء إليه.

وأما الصلاة، فما هي إلا أدعية وحركات تعبدية مع التوجه إلى الكعبة. وقد كانت للعرب قبل الإسلام صلاة ذات طقوس وحركات وأدعية كما تدل عليها آية:

وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ،

15

قال القاضي البيضاوي في تفسير هذه الآية: «المكاء الصفير، والتصدية التصفيق. روي أنهم كانوا يطوفون عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون بها ويصفقون.»

16

وكلمة «الصلاة» في هذه الآية تعني أن العرب كانت لهم في جاهليتهم صلاة ذات طقوس معينة كما يفهم من كلام القاضي البيضاوي؛ وبهذا يتبين خطأ ما يقرره الفقهاء من أن كلمة صلاة بمدلولها الديني المعروف إنما هي من الكلمات الإسلامية التي استحدثها الدين الجديد؛ فليس صحيحا ما يقرره الفقهاء واللغويون من أن هذه الكلمة كانت تعني في الجاهلية الدعاء فحسب، وأنها خصصت في الإسلام فقط بهذا النوع المخصوص من العبادة. ثم إن ذكر المكاء والتصدية يفهم منه أنه كانت لهم حركات وأنغام وإشارات في صلواتهم، وليس هذا غريبا؛ فقد أمر الله سبحانه إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود؛ فلعل بعض هذه الطقوس «الصلوية» قد بقي عند العرب مما قبل الإسلام، بل نكاد نجزم بذلك لما روي أن زيد بن عمرو بن نفيل - أحد العباد الحنفاء الموحدين قبل الإسلام - كان يقوم ببعض الحركات التعبدية أمام الكعبة، وأنه كان يسجد أمامها.

وأما الصوم، فهو الإمساك عن الطعام أو الشراب أو الحديث أو غير ذلك،

17

وقد كان العرب في جاهليتهم يصومون في العاشر من المحرم، وروى الخارق عن عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين أنها روت في حديث لها أن قريشا كانت تصوم في الجاهلية يوم عاشوراء؛ أي اليوم العاشر من المحرم، وأنه كان يوم ستر الكعبة، وأن النبي

صلى الله عليه وسلم

كان يصومه قبل بعثته، ويروي السيوطي في كتاب الوسائل عن الخطيب البغدادي أن أول من صام آدم - عليه السلام - ثلاثة أيام في كل شهر، وعن أبي حاتم الضحاك أن الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النبي محمد

صلى الله عليه وسلم

وأصحابه، وكان صومهم في كل شهر ثلاثة أيام إلى العشاء، وهكذا صامه النبي

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ١٥