4
ثم يورد افتتاحية العدد الأول ويعلق عليها بقوله: «هذه الفاتحة هي خلاصة برنامج العرض الذي أنشئت مجلة «العروة الوثقى» من أجله؛ تنبيه الضعفاء إلى ما يريده الأقوياء بهم، وشرح الأسباب التي أدت إلى ضعف الضعفاء وقوة الأقوياء، ويريد بالأقوياء سياسيي أوروبا وزملاءهم سياسيي الشرق الذين ساروا على آثارهم، وقلدوهم في استبدادهم بالضعفاء والتفريط في مصالحهم، فالأفغاني وعبده كانا يريدان أن يكون لهؤلاء الضعفاء - وهم المسلمون - دول قوية آخذة بأسباب المدنية والعمران الموصلة إلى العزة والاستقلال مع مراعاة تعاليم الإسلام الأساسية.
فالشيخ المغربي في طوره الثالث هو تلميذ «العروة الوثقى» التي سيطرت على لبه سيطرة عجيبة استمعوا إليه يقول: «أعطيت العروة الوثقى كل وقتي دراسة وتفهما، وكنت أحيانا أعنى بشرح ألفاظها وتعابيرها ... ولا جرم أن «العروة الوثقى» مهدت بين يدي ناشئة العرب مناهج في الكتابة وأساليب الإنشاء ما كانوا يعهدونها من قبل، ونبهت إلى وجوب استعمال كلمات اللغة الفصحى والاستعانة بها على إيراد المعاني العصرية ومطالب الحياة الاجتماعية ... وقد تضمن العدد الأول مما يحتاج إلى الشرح من فصيح اللغة نحو ثلاثين كلمة.»
5
فأنتم ترون أن الشيخ قد فنى في «العروة الوثقى» وفي تدارسها وشرح ألفاظها وانتقادها، وقد ذكر في كتابه عن «جمال الدين» طرفا يسيرا مما كان قد علق على نسخته المخطوطة من «العروة»، أحصى ما فيها من الكلمات اللغوية التي شرحها، فبلغت «في أعداد العروة كلها زهاء خمسمائة كلمة»
6
ولا عجب فإن الشيخ كان مفتونا باللغة ومفرداتها منذ نعومة أظفاره.
ولم يكن تأثير «العروة الوثقى» في الشيخ من الناحية اللغوية والأسلوب وحسب، بل من الناحية الفكرية فقد قال: «إني لما اتصلت بالسيد الأفغاني وأنعمت النظر في دراسة تعاليمه انتقلت في حياتي الفكرية إلى الدور الثالث أو الطور الثالث، وهو أن نفهم النص الديني فهما صحيحا مراعى فيه قوانين اللغة وقواعد بلاغتها، ونستوثق من مطابقة النص للكتاب والسنة، ثم نجرأ على التصريح بما فهمناه من النص سواء أوافق رأي غيرنا أم لا. وقد اقتبسنا هذه الطريقة في الفهم من أقوال السيد الأفغاني وتعاليمه المروية والمبثوثة في «العروة الوثقى» أولا، ثم في سائر ما علق بكفنا من كتاباته وكتابات تلميذه الشيخ محمد عبده ثانيا، فالأساس الذي بنى عليه الإصلاح الديني إذن هو تمييز نصوص الدين والحرص على فهمها فهما حرا مستندا إلى قواعد اللغة العربية، وقوانين بلاغتها، ثم الجرأة في الدعوة إلى الصحيح المعقول من تلك النصوص والتعاليم واطراح الباطل الدخيل عليها، والجهر بذلك كله من دون جمجمة في قول أو تقية من ذي صول.»
7
واستمر الشيخ في هذا الدور طوال عمره يدأب ويجد، ويدرس ويجتهد حسب شروط الاجتهاد السابقة، حتى كانت له آراء ونظريات نعرض لها فيما بعد إن شاء الله، وقد تمرس بهذا الأمر تمرسا حينما ازدادت صلته بالشيخين، واجتمع إليهما في الآستانة أو في القاهرة، فأفاد من صحبتهما واجتهد في السير على غرارهما يتتبع آثارهما ويقرأ لهما، ودفعه الشوق لرؤية جمال الدين،
8
وكان في سنة 1310ه/1892م مقيما في دار الخلافة، فسافر إليه وظل في جواره سنة واحدة أفاد فيها منه فوائد جليلة ضمن كثيرا منها في كتابه اللطيف عن جمال الدين، ثم رجع إلى طرابلس عاكفا عن دراسة آثار جمال الدين، وأولع بعدئذ بدراسة آثار الشيخ محمد عبده، واستجاب إلى دعوته الخيرة، وشرع يصدع بالإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي فاستدعاه الإمام محمد عبده إلى مصر حيث المجال للدعوة الإصلاحية آنذاك أرحب وأوسع، ولكن ما لبث الأستاذ الإمام أن لقي وجه ربه
9
فانصرف المغربي إلى الصحافة، وكتب في كبريات جرائد مصر مقالات أثارت العزائم وشحذت الهمم الغافية.